أصبح التنافس على جذب الاستثمارات الأجنبية في القارة الإفريقية يتجاوز مجرد حجم التدفقات المالية، ليتركز بشكل أكبر على قدرة الدول على استقطاب المشاريع التي ستشكل مستقبل الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة. وفي هذا السياق، برز المغرب كواحد من الدول الإفريقية القليلة التي نجحت في لفت انتباه المستثمرين نحو قطاعات حيوية مثل الصناعة، الطاقة النظيفة، الهيدروجين، البنى التحتية، والخدمات اللوجستية.
وأكد تقرير الاستثمار العالمي لسنة 2026 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، على قدرة المغرب ومصر وجنوب إفريقيا على الحفاظ على جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية في هذه القطاعات الاستراتيجية. ويأتي هذا في ظل إعادة المستثمرين لترتيب أولوياتهم استجابةً للتحولات الاقتصادية العالمية وتغيرات سلاسل الإنتاج والتوريد.
وعلى الرغم من استمرار القارة الإفريقية في جذب مستويات كبيرة من الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث بلغت التدفقات حوالي 70 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يمثل ثالث أعلى مستوى للقارة منذ عام 1990، فإن الأونكتاد تشدد على أهمية التمييز بين حجم الأموال ونوعية المشاريع المستقطبة. فقد تراجع إجمالي قيمة مشاريع الاستثمار الجديدة من نوع “Greenfield” بنحو الثلث خلال 2025، بينما زاد عدد المشاريع المعلنة، مما يشير إلى توجه المستثمرين نحو توزيع رؤوس الأموال على عدد أكبر من المشاريع بقيم مالية أقل.
ويستفيد المغرب من مجموعة من المقومات لتعزيز مكانته، بما في ذلك موقعه الجغرافي المتميز بالقرب من الأسواق الأوروبية، وتطوير بنياته اللوجستية، وتوسيع قاعدته الصناعية، بالإضافة إلى إمكاناته الكبيرة في مجال الطاقات المتجددة ومشاريع الهيدروجين الأخضر. ويظهر تحول أوسع في خارطة الاستثمار العالمي، حيث تزايدت حصة القطاعات الاستراتيجية من المشاريع الجديدة من 16% في 2020 إلى 44% في 2025، مدفوعة بالاستثمارات في البنى التحتية للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية.
لكن، تحذر الأونكتاد من أن الاستثمارات الاستراتيجية لا تزال تتركز في عدد محدود من الاقتصادات، مما يعكس حدة المنافسة الدولية على المشاريع ذات القيمة المضافة العالية. وبالنسبة للمغرب، فإن جذب الاستثمارات الأجنبية هو مجرد بداية، حيث يكمن التحدي الحقيقي في تحويل هذه المشاريع إلى محرك للنمو المحلي، وربط الشركات الأجنبية بالمقاولات الوطنية، وتعزيز التصنيع المحلي.
وتؤكد المنظمة الأممية على ضرورة تعزيز الاندماج الاقتصادي الإقليمي وتطوير الموارد البشرية كعوامل أساسية لتعظيم المكاسب من هذه الاستثمارات. ومع ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً إلى حوالي 1.6 تريليون دولار في 2025، منها 901 مليار دولار للاقتصادات النامية، فإن المغرب يمتلك فرصة لترسيخ مكانته كمنصة صناعية وطاقية ولوجستية تربط إفريقيا بالأسواق العالمية، شريطة نجاحه في دمج هذه الاستثمارات ضمن نسيجه الاقتصادي الوطني والقاري.

