يشهد التبادل التجاري بين المغرب وتركيا نموًا متسارعًا، حيث برز المغرب كأكبر مستورد للمنتجات التركية في القارة الأفريقية. ووفقًا للبيانات، بلغت الصادرات التركية إلى المملكة ما يقارب 2.2 مليار دولار أمريكي، متجاوزة بذلك دولًا إقليمية كبرى مثل مصر وليبيا والجزائر. ويعكس هذا التنامي استمرار التوسع الاقتصادي التركي في السوق المغربية، على الرغم من الجهود التي بذلتها الرباط في السنوات الأخيرة لمعالجة الخلل في الميزان التجاري بين البلدين.
وخلال الربع الأول من العام الجاري، شهدت الصادرات التركية إلى المغرب زيادة بنسبة 15.8%، لتتجاوز 1.26 مليار دولار أمريكي. وتصدرت المواد الكيميائية قائمة هذه الصادرات بأكثر من 312 مليون دولار، تلتها منتجات قطاعات السيارات والنسيج والأثاث. ويرجع الأستاذ بدر زاهر الأزرق، الخبير في الاقتصاد وقانون الأعمال بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، هذا الارتفاع إلى القدرة التنافسية الكبيرة للصناعة التركية، القائمة على التنوع والجودة والأسعار المناسبة، بالإضافة إلى اتفاقية التبادل الحر التي سهلت نفاذ هذه المنتجات إلى الأسواق المغربية. ويسهم تراجع قيمة الليرة التركية أيضًا في تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات التركية مقارنة بغيرها، في ظل طلب متزايد في السوق المغربية على السلع الصناعية، لا سيما الكيماويات وقطع غيار السيارات والمنسوجات والأثاث.
ولا تقتصر هذه الأرقام على المغرب فقط، بل تندرج ضمن استراتيجية تركية شاملة لتعزيز تواجدها الاقتصادي في أفريقيا، حيث أصبحت الدبلوماسية التجارية ركيزة أساسية في سياسة أنقرة الخارجية. وتأتي هذه الدينامية ضمن خطة “تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع الدول الأفريقية” التي أطلقتها وزارة التجارة التركية منذ عام 2003، بهدف تشجيع الاستثمارات المتبادلة وتوسيع نطاق الشركات التركية في مشاريع البناء والطاقة والصحة والزراعة والبنية التحتية، وتعزيز الروابط بين مجتمعات الأعمال.
وقد أثار هذا التوسع التجاري تساؤلات بشأن تأثيره على الصناعة الوطنية المغربية. فرغم مراجعة اتفاقية التبادل الحر في عام 2020، وفرض رسوم جمركية بنسبة 90% على واردات النسيج والملابس التركية الجاهزة لحماية الصناعة المحلية، يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن هذه الإجراءات لم تسهم بشكل فعال في الحد من العجز التجاري. ويوضح الأستاذ الأزرق أن تزايد الواردات التركية يفاقم العجز التجاري ويشكل تهديدًا لبعض الصناعات المغربية، مثل قطاع النسيج، الذي يواجه منافسة شديدة من هذه المنتجات منخفضة التكلفة، مما يستدعي من الشركات الوطنية مضاعفة جهودها للحفاظ على حصتها في السوق المحلية. وشدد على أن تعديل الاتفاقية لم يعد كافيًا، مع امتداد المنافسة إلى قطاعات صناعية أخرى.
ولتحقيق توازن تجاري أفضل، يدعو الأستاذ الجامعي إلى تفعيل آليات المراجعة الدورية لاتفاقية التبادل الحر، واستخدام أدوات الحماية التجارية عند ثبوت ضرر حقيقي على الصناعة المحلية، مع الالتزام بالاتفاقيات الدولية. كما يطالب بتشجيع الاستثمارات التركية المباشرة في المغرب بدل الاقتصار على الاستيراد، ودعم الشركات المغربية لتعزيز قدرتها التنافسية، ومساعدة المصدرين المغاربة على اختراق السوق التركية. ويرى الخبير الاقتصادي والمالي، الطيب أعيس، أن تطوير صناعة مغربية قوية تستهدف الأسواق العالمية، لا المحلية فقط، هو الحل الجذري لمواجهة المنافسة المتزايدة التي تشمل منتجات من الصين والهند وكوريا أيضًا. ويشدد على أن التركيز يجب أن ينصب على تقوية القدرة التنافسية للصناعة المحلية وتصدير المنتجات المغربية إلى تركيا، خاصة في قطاعات الفوسفاط، والمواد الكيماوية، ومكونات السيارات والطيران، بالإضافة إلى المنتجات الفلاحية والغذائية والسمكية.
ويؤكد أعيس أن أي قيود جمركية إضافية لن تمنع الشركات من استيراد ما تحتاجه في ظل غياب بدائل محلية، وأن المستهلك هو من يتحمل غالبًا تكلفة هذه الإجراءات. لذلك، يظل تحسين تنافسية الصناعة المغربية وتنويع صادراتها هو الطريق الأمثل لتحقيق توازن مستدام في العلاقات التجارية بين الرباط وأنقرة.

