فقدت الساحة الثقافية المغربية والعربية أمس قامة فكرية وأدبية بارزة برحيل الشاعر والناقد الكبير محمد السرغيني، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 96 عامًا. وُلد السرغيني في مدينة فاس سنة 1930، ويُعد من أبرز المثقفين الذين أسهموا في ترسيخ مسارات الحداثة الشعرية والنقدية على مدار عقود طويلة، تاركًا خلفه إرثًا إبداعيًا وفكريًا غنيًا يمتد بين الشعر والنقد والترجمة والدراسات السيميائية والفلسفية والرواية والمسرح.
تميزت تجربة السرغيني الشعرية بخصوصيتها وتفردها، واتسمت بالتحرر من القوالب التقليدية والسعي الدائم لابتكار أشكال ورؤى جديدة في التعبير الشعري، متفاعلة بعمق بين الحس الصوفي وأفق الحداثة. وقد حظيت أعماله بتقدير واسع من النقاد والباحثين داخل المغرب وخارجه، ونال العديد من الجوائز المرموقة، من بينها جائزة الأركانة العالمية للشعر سنة 2004، وجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر عن ديوانه “تحت الأنقاض فوق الأنقاض” سنة 2013.
لم يقتصر تأثير السرغيني على كونه شاعرًا وناقدًا فحسب، بل كان حالة ثقافية وفكرية متكاملة، جمعت بين التكوين الأكاديمي الرصين، والاشتغال النقدي والفلسفي العميق، والبعد الصوفي، ووهج المخيلة الشعرية الحداثية. هذا المزيج الفريد جعله أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في مسار الشعر المغربي المعاصر، ومُلهمًا لأجيال عديدة من الباحثين والدارسين.
تلقى الراحل تعليمه الأولي في فاس، حيث تأثر بالجو الثقافي والعلمي العريق للمدينة، قبل أن يواصل دراسته في جامعة القرويين ثم ينتقل إلى المشرق، حيث حصل على الإجازة في الآداب من جامعة بغداد سنة 1959. وبعد عودته إلى المغرب، تابع تكوينه الأكاديمي، فحصل على شهادة الأدب المقارن من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1963، ثم الدكتوراه من جامعة السوربون بباريس سنة 1985.
وإلى جانب إسهاماته الإبداعية والفكرية، لعب السرغيني دورًا محوريًا في مجال التعليم الجامعي وتكوين الأجيال، حيث عمل أستاذًا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس منذ بداية الستينيات، وتولى منصب نائب عميد الكلية بين سنتي 1986 و1991. وامتد تأثيره إلى أجيال من الطلبة والباحثين الذين تلقوا على يديه أدوات المعرفة النقدية والبحث الأكاديمي.
بوفاة محمد السرغيني، يفقد المغرب والعالم العربي أحد رواد الحداثة الشعرية والفكرية، وستظل أعماله بمثابة شاهد على مسار إبداعي وفكري حافل ترك بصمة راسخة في الذاكرة الأدبية المغربية والعربية.

