في ظل التحديات العالمية المتزايدة في قطاع الطاقة، يتجه المغرب نحو تنويع مصادره الطاقية، مزاوجًا بين تسريع وتيرة مشاريع الطاقات المتجددة وتطوير استغلال الغاز الطبيعي. يأتي هذا التوجه لضمان استقرار الإمدادات الطاقية ودعم النمو الصناعي المتوقع. وفي هذا السياق، أكدت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، أمينة بنخضرة، أن المملكة تتمتع بمقومات جيولوجية وتنظيمية قوية تجعلها وجهة استثمارية واعدة في مجال الطاقة، مما يسهم في جذب استثمارات كبرى وطويلة الأمد في قطاعي الغاز والهيدروكاربورات.
وأشارت بنخضرة إلى أن المغرب يسعى لترسيخ مكانته كممر استراتيجي للطاقة بين إفريقيا وأوروبا، من خلال تطوير بنى تحتية ضخمة وتعزيز الشراكات الدولية في هذا المجال. وأوضحت أن المملكة تزخر بتنوع كبير في الأنظمة البترولية، مع مؤشرات واعدة لوجود موارد الغاز والنفط في مناطق برية وبحرية مختلفة. من أبرز هذه المناطق، حوض الغرب الذي يعد من أقدم مناطق إنتاج الغاز في المغرب، بالإضافة إلى حوض الصويرة الذي يزود منشآت المكتب الشريف للفوسفاط بالغاز. كما يبرز حقل تندرارة كأحد المشاريع المنتظرة التي من المتوقع أن تبدأ الإنتاج قبل نهاية عام 2026، بينما أظهرت مناطق أخرى مثل الزاك وبوذنيب وميسور ودكالة وتادلة مؤشرات إيجابية لوجود احتياطيات غازية محتملة.
أما على الواجهة البحرية، فقد أكدت بنخضرة أن الساحل الأطلسي المغربي يحمل إمكانات كبيرة، خاصة بعد اكتشاف حقل أنشوا الذي عزز التوقعات بوجود احتياطيات غازية واعدة. كما كشفت عمليات التنقيب في منطقة بوجدور البحرية عن وجود تجمعات غازية ومكثفات في طبقات جيولوجية قديمة، بالإضافة إلى مؤشرات للنفط والغاز بين أكادير وطرفاية. وفي إطار تطوير القطاع، يمثل تحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة، في يونيو الماضي، خطوة ضمن إصلاح شامل للمؤسسات العمومية، بهدف تحديث الحكامة وتعزيز المرونة المالية والتشغيلية، مما سيمكن المكتب من جذب استثمارات جديدة وتحسين قدرته على تنفيذ المشاريع وتعزيز التعاون مع الشركات العالمية.
وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه المغرب في مجال الطاقات الشمسية والريحية، شددت بنخضرة على أن الغاز الطبيعي والطاقات المتجددة يمثلان ركيزتين متكاملتين ضمن استراتيجية الانتقال الطاقي للمملكة. ويوفر الغاز مرونة ضرورية لاستقرار الشبكة الكهربائية، خاصة في الأوقات التي يقل فيها إنتاج الطاقات المتجددة بسبب الظروف المناخية. وتعتمد رؤية المغرب على ثلاثة محاور رئيسية: تطوير منشآت استقبال الغاز الطبيعي المسال، تنفيذ مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي، وزيادة الإنتاج المحلي من حقول الغرب والصويرة وتندرارة.
يعد مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي من أهم المشاريع الاستراتيجية للمملكة، لدوره في تعزيز الربط الطاقي بين غرب إفريقيا وأوروبا ودعم التنمية الصناعية في الدول التي سيمر بها. ولن يقتصر دوره على نقل الغاز، بل سيساهم في دعم قطاعات اقتصادية حيوية مثل إنتاج الكهرباء، صناعة الأسمدة، البتروكيماويات، الإسمنت، والتعدين، بالإضافة إلى تنمية المناطق الصناعية المجاورة لمساره. وقد اكتملت الدراسات التقنية والهندسية الأولية، وقطعت الدراسات البيئية والاجتماعية أشواطًا متقدمة، مع استكمال الإجراءات المؤسساتية قبل نهاية عام 2026. ويشكل هذا المشروع نموذجًا للتعاون الإفريقي الهادف إلى تطوير بنى تحتية كبرى تخدم المصالح المشتركة وتعزز التكامل الاقتصادي.
لا يقتصر الطموح المغربي على قطاع الغاز وحده، فالمملكة تواصل تعزيز مكانتها في مجال المعادن الاستراتيجية، حيث تعد لاعبًا رئيسيًا في إنتاج الفوسفات، الكوبالت والمنغنيز، مع توسع تدريجي في قطاع النحاس واستكشاف إمكانات العناصر الأرضية النادرة. وأكدت بنخضرة أن الهدف يتجاوز مجرد استخراج الموارد وتصديرها، ليشمل بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة تتضمن المعالجة وإنتاج المدخلات الوسيطة وتصنيع منتجات ذات قيمة مضافة عالية. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى ترسيخ موقع المغرب ضمن سلاسل الإمداد العالمية للطاقة والمعادن الحيوية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي الاستراتيجي وبيئته الاستثمارية الجاذبة للمشاريع طويلة الأمد في القطاعات المستقبلية.

