أضحى دعم المهرجانات والتظاهرات السينمائية في المغرب ضرورة ملحة لمواكبة التطورات التي تشهدها الصناعة السينمائية عالمياً، وتزايد التكاليف المرتبطة بتنظيم هذه الفعاليات. ولم يعد الغلاف المالي الحالي كافياً لضمان مستوى احترافي يحافظ على مكانة المغرب في الخريطة الدولية للمهرجانات. لذلك، يبرز مقترح رفع الدعم السنوي إلى 50 مليون درهم كخطوة أساسية، لكنها مشروطة بإصلاح شامل لمنظومة الدعم لضمان الحكامة والجودة وترشيد النفقات وربط التمويل بالأثر الثقافي والاقتصادي.
تزامناً مع دخول القانون الجديد رقم 18.23 حيز التنفيذ في فاتح شتنبر 2025، والذي يعيد تنظيم المركز السينمائي المغربي ويهدف إلى تعزيز جاذبية القطاع السينمائي، يتوجب على المهرجانات أن تواكب هذا التحول. فالمهرجانات لم تعد مجرد مناسبات موسمية، بل منصات تساهم في الترويج للسينما المغربية، وتنمية الجمهور، وتأهيل المهنيين. كما أن التحولات الدولية تفرض عليها دمج الجانب المهني والاقتصادي، من خلال استضافة ورشات لتمويل المشاريع ولقاءات للإنتاج المشترك، وتداول حقوق العرض والتوزيع.
ويستدعي هذا التطور مراجعة شاملة لآليات تصنيف المهرجانات ودعمها، مع التمييز بين المهرجانات الدولية الكبرى والوطنية والجهوية والمتخصصة، حيث لا يمكن إخضاعها لنفس المعايير المالية والتنظيمية. ويجب ربط الدعم بعقود أهداف واضحة تحدد جودة البرمجة، وحجم الجمهور، والأنشطة المهنية والتكوينية، ومشاركة السينمائيين المغاربة، مع إعطاء الأولوية في الميزانيات لجودة العروض والترجمة والتواصل، بدلاً من المصاريف البروتوكولية المبالغ فيها.
لا يقتصر دور المهرجانات السينمائية على الجانب الثقافي فحسب، بل تمتد آثارها لتشمل تحريك الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات متعددة كالفندقة، والمطاعم، والنقل، والطباعة. وتساهم المهرجانات في تشغيل مهنيين وتقنيين، وتوفير وظائف مؤقتة وموسمية للشباب والطلبة. ولتحويل هذه الوظائف الموسمية إلى فرص عمل مستقرة، ينبغي على المهرجانات تطوير برامج سنوية تشمل التكوين والإقامات الفنية، لتتحول إلى مؤسسات ثقافية مستدامة.
وفي سياق متصل، يُعد إنشاء سوق مستقل للفيلم بالمغرب ضرورة ملحة، يمكن تنظيمه في مراكش بالتزامن مع المهرجان الدولي للفيلم، للاستفادة من إشعاعه الدولي دون أن يتحول السوق إلى مجرد نشاط ثانوي. هذا السوق، الذي يجب أن يكون له هويته القانونية وميزانيته المستقلة، سيكون منصة لتداول الحقوق وعقد الصفقات، وعرض الإنتاجات المغربية، وتشجيع التعاون الإفريقي والدولي في مجال الإنتاج والتوزيع.
إن رفع الغلاف المالي لدعم المهرجانات إلى 50 مليون درهم، بالإضافة إلى تأسيس سوق فيلم مستقل، يسهم في بناء منظومة سينمائية مستدامة تجمع بين الجانب الثقافي والإبداعي للمهرجانات، والجانب الاقتصادي والمهني للسوق، محوّلاً بذلك الدينامية الفنية للسينما المغربية إلى صناعة منتجة للقيمة ومساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

