يشهد سوق المعادن الاستراتيجية تحولات سريعة تفتح آفاقاً جديدة للمغرب لترسيخ مكانته ضمن سلاسل الإمداد الدولية، خاصة مع تزايد الطلب على هذه المواد الحيوية التي تعد مكوناً أساسياً في صناعات متقدمة كالفضاء، الدفاع، والإلكترونيات.
في هذا السياق، يبرز المغرب من خلال مشاريعه الطموحة لاستكشاف التيتانيوم والإنتيمون، مستهدفاً تعظيم الاستفادة من هذه الموارد المعدنية التي تكتسب أهمية متزايدة لدى الاقتصادات الكبرى التي تسعى لتنويع مصادرها وتقليل مخاطر الاعتماد على موردين قلائل.
أفاد تقرير حديث صادر عن منصة “Mining” الأسترالية بتطورات مهمة في مشروع “تايتان بيتش” للتيتانيوم، الذي دخل مرحلة التشغيل التجريبي لمعمل معالجة الخام. يغطي هذا المشروع مساحة تقارب 192 كيلومتراً مربعاً، وتشير التقديرات الأولية إلى أن الموارد المكتشفة تحتوي على حوالي 14.9% من أكسيد التيتانيوم، مما يؤكد الإمكانات الواعدة للموقع.
تزداد أهمية هذه الاكتشافات بالنسبة للمغرب، الذي يشهد نمواً ملحوظاً في قطاع صناعة الطيران، مما قد يتيح فرصاً لدمج الموارد المعدنية المحلية في سلاسل تصنيع ذات قيمة مضافة عالية. يتزامن هذا مع تنامي الطلب العالمي على التيتانيوم نظراً لخصائصه الفريدة التي تجعله ضرورياً في العديد من التطبيقات الصناعية المتقدمة، وقد أدرجته دول عظمى ضمن قائمة المعادن الحيوية والاستراتيجية.
لا تقتصر جهود الاستكشاف في المغرب على التيتانيوم فحسب، بل تمتد لتشمل الإنتيمون الذي يحظى باهتمام متزايد بفضل استخداماته المتعددة في الصناعات التقنية. يعتبر مشروع “الدار البيضاء للإنتيمون”، الذي يقع في قلب المملكة ويمتد على مساحة 79 كيلومتراً مربعاً، أحد أبرز هذه المشاريع. أظهرت العينات الصخرية من هذا الموقع تركيزات عالية من الإنتيمون وصلت في بعض الحالات إلى 46.52%، وهي مؤشرات إيجابية تدعم استمرارية عمليات الاستكشاف والتقييم.
تأتي أهمية الإنتيمون في وقت تشهد فيه السوق العالمية تحولات كبيرة، خاصة بعد القيود التي فرضتها الصين على صادراته في عام 2024، مما أبرز مكانة بكين كلاعب رئيسي في إنتاجه العالمي. وفي ظل تراجع الإنتاج العالمي من حوالي 187 ألف طن في 2011 إلى 110 آلاف طن في 2023، تسعى الاقتصادات الغربية جاهدة لتقليل اعتمادها على مصادر محدودة لهذه المعادن الحيوية من خلال تشجيع الاستكشاف وتطوير المناجم الجديدة وتنويع سلاسل التوريد. يمكن لهذا التحول أن يوفر للمغرب فرصة ذهبية لتعزيز مكانته كمورد محتمل للإنتيمون، شريطة أن تؤكد الدراسات اللاحقة جدوى هذه الموارد تجارياً. تأتي هذه المشاريع انسجاماً مع المخطط التعديني للمغرب للفترة 2021-2030، الذي يهدف إلى زيادة جاذبية القطاع للاستثمارات وتطوير الاستكشاف ودعم الابتكار لرفع مساهمة المعادن في الاقتصاد الصناعي الوطني.

