أكدت دراسة حديثة صادرة عن “مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد” أن البطالة تمثل جوهر المشكلات البنيوية التي أدت إلى تفاقم أزمة سبتة الأخيرة. وحذرت الدراسة من إمكانية تكرار مثل هذه الأحداث ما لم تتبنَّ الحكومة استراتيجيات فعالة تجعل الشباب المغربي أقل تأثراً بالشائعات الوعود الكاذبة بـ”الجنة الافتراضية”.
وأفاد البحث، الذي حمل عنوان “أزمة سبتة في يوليو 2026: الظروف البنيوية، والعوامل الظرفية المُضخِّمة، والعوامل المُفجِّرة”، أن المهاجرين المحتملين عبر سبتة أو غيرها من المعابر هم في الغالب باحثون عن فرص اقتصادية، مما يسلط الضوء على أزمة هيكلية في سوق الشغل المغربي، على الرغم من تصنيف المملكة ضمن الدول ذات الدخل المتوسط. وتكشف بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة الوطني بلغ 13% عام 2025، مع نسب مرتفعة بين الشباب (37.2%) والنساء (20.5%) وحاملي الشهادات (19.1%).
ويُظهر التحليل الذي قدمه الباحث عبد الحق باسو أن الطابع الهيكلي لهذه المشكلة يتجلى في أن حوالي 52.9% من العاطلين لم يسبق لهم العمل، بينما يقضي 64.8% منهم سنة أو أكثر في حالة بطالة. كما ارتفع متوسط مدة البطالة من 31 إلى 33 شهراً، مما يشير إلى أن البطالة لم تعد مجرد نقص مؤقت في الوظائف، بل تحولت إلى دافع هيكلي للهجرة.
وتدعم توقعات صندوق النقد الدولي هذه النتائج، حيث تشير إلى أن معدل البطالة في المغرب سيستقر عند 12.1% في عام 2026، بعد أن بلغ ذروته عند 13.4% في عام 2024. كما يوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 6.4% من المغاربة معرضون لخطر الفقر متعدد الأبعاد. ورغم تراجع معدل الفقر إلى 3.9% في عام 2022، وفقاً للبنك الدولي، فإن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، خاصة بين المناطق الحضرية والقروية، لا تزال كبيرة.
لذلك، يرى الباحث أن الهجرة الداخلية من المناطق الريفية نحو المدن الكبرى مستمرة، ويتجه جزء من هؤلاء المهاجرين نحو شمال المغرب كخطوة أخيرة قبل محاولة العبور إلى أوروبا. وتعد مدن مثل الفنيدق، طنجة، والناظور نقاط وصول لهذه الرحلات التي تبدأ أحياناً من مسافات بعيدة.
ويخلص المقال إلى أن استمرار المشهد الحالي أمر وارد ما لم تعالج الحكومة الأسباب الجذرية التي تجعل الشائعات أكثر إقناعاً من الخطاب الرسمي. ويشدد الباحث على أن السؤال الأهم ليس كيفية منع أزمة سبتة جديدة، بل كيفية تحصين الشباب المغربي من تأثير الشائعات التي تَعِدهم بـ”جنة افتراضية” دون تقديم بدائل واقعية وموثوقة.

