يمتلك المغرب اليوم، بفضل مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، قدرات إنتاجية ولوجستية متطورة للغاية، تمكنه من تقديم دعم مستدام لشركائه الدوليين، والمساهمة الفعالة في تحقيق استقرار الأسواق الزراعية العالمية. فمن خلال منظومة صناعية تتميز بالمرونة العالية والقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية الجيوسياسية، ترسخ OCP مكانتها كفاعل رئيسي في سلسلة الإمداد الغذائي العالمي.
تؤكد هذه المكانة المحورية على صواب الاستراتيجية بعيدة المدى التي تبنتها مجموعة OCP، والتي ترتكز على استثمارات صناعية ضخمة، وابتكار حلول مخصصة لتغذية التربة تلبي احتياجات المزارعين بدقة. ولا يقتصر التميز المغربي على حجم الاحتياطيات الهائلة من الفوسفاط، التي تمثل حوالي 70% من المخزون العالمي، بل يتعداه إلى التحول النوعي الذي قادته OCP من مجرد تصدير المواد الخام إلى تصنيع منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مما يعزز من مكانة المغرب كلاعب استراتيجي وموثوق به في هذا القطاع الحيوي.
وقد أشار الباحث هنري لويس فيدي، من مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، إلى أن هذا التحول الاستراتيجي مكن المجموعة من تعزيز حضورها الدولي، خاصة مع تبني نموذج صناعي ومالي متطور ساهم في توسيع نطاق عملياتها في الأسواق العالمية. وتتجلى هذه الدينامية بشكل خاص في التوجه المتزايد نحو الأسواق الإفريقية، التي تشهد نمواً ديموغرافياً متسارعاً وطلباً متزايداً على الغذاء، في ظل محدودية استخدام الأسمدة مقارنة بالمتوسط العالمي. فبينما يبلغ متوسط استهلاك الأسمدة الفوسفاتية عالمياً حوالي 98 كيلوغراماً للهكتار، لا يتجاوز هذا المعدل 12 كيلوغراماً للهكتار في إفريقيا جنوب الصحراء، مما يبرز فجوة كبيرة وإمكانات نمو واعدة في هذا السوق.
وسعياً منها لتعزيز حضورها في إفريقيا، تعمل OCP على تطوير أسمدة مخصصة ومصممة بدقة لتناسب خصائص التربة المحلية وتلبي احتياجات الإنتاج الزراعي في كل منطقة، وذلك ضمن مقاربة تعتمد الابتكار الزراعي والتخصيص الدقيق. وفي إطار التزامها بالتنمية المستدامة، أطلقت المجموعة في سنة 2022 برنامجها الاستثماري الأخضر للفترة 2023–2027، بميزانية تناهز 130 مليار درهم، بهدف زيادة القدرات الإنتاجية للأسمدة والالتزام بالحياد الكربوني بحلول عام 2040، من خلال الاعتماد على الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية. ويستهدف هذا البرنامج رفع القدرة الإنتاجية من 12 مليون طن إلى 20 مليون طن بحلول سنة 2027.
وفي سياق متصل، أكد الأستاذ الباحث في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، محمد الطاهر السرايري، أن الأسمدة أصبحت تلعب دوراً محورياً في تحقيق الأمن الغذائي العالمي، نظراً لأهميتها البالغة في زيادة الإنتاجية الفلاحية وضمان استقرار سلاسل الإمداد. ويشهد العالم تزايداً مستمراً في الطلب على الغذاء، في مقابل محدودية الموارد الطبيعية، مما يجعل الاعتماد على المدخلات الزراعية، وفي مقدمتها الأسمدة، ضرورة حتمية. ويوضح هذا الواقع تنامي الشراكات الاستراتيجية بين المغرب وعدد من الدول، مثل البرازيل والهند واليابان، لضمان استمرارية التزود بالأسمدة، ما يؤكد مكانة المغرب كشريك موثوق به في سلاسل الإمداد الفلاحي العالمية.
أخيراً، بالرغم من امتلاك المغرب لاحتياطيات وفيرة من الفوسفاط، إلا أنه يظل مرتبطاً بالأسواق الدولية لتأمين بعض المدخلات الأساسية في صناعة الأسمدة، مثل الأمونياك وحمض الكبريتيك. ويسهم هذا الترابط في سلاسل التوريد في جعل إدارة المخاطر وتنويع مصادر التزويد عوامل أساسية لضمان استقرار الكلفة الإنتاجية وتفادي تقلبات الأسواق العالمية.

