في ظل تسارع التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، لم يعد مجرد توفير البنى التحتية التكنولوجية والخدمات الإلكترونية كافياً لتحقيق تحول رقمي مستدام في المغرب. فبناء مجتمع رقمي واعٍ ومنخرط بات تحدياً جوهرياً، يتطلب تأهيل المواطنين ومواكبتهم لضمان استخدامهم الفعال والآمن للتكنولوجيا. من هذا المنطلق، برزت جمعية “مغرب المواطنة الرقمية” كمبادرة مدنية رائدة تسعى لتعزيز الثقافة الرقمية وتقليص الفجوة المعرفية في المجتمع، من خلال برامج تستهدف التوعية والتكوين والرصد، بهدف إشراك المواطن كشريك فاعل في مسيرة التحول الرقمي.
تأسست الجمعية، وهي هيئة مستقلة وغير ربحية، مطلع عام 2026، لتكون ملتقى للكفاءات المتخصصة في قضايا المواطنة الرقمية. تهدف هذه المنصة إلى ترسيخ الثقة في التكنولوجيا ودعم الإدماج الرقمي، فضلاً عن تطوير العلاقة بين المواطنين والمؤسسات في ظل الثورة الرقمية المتسارعة. تضم الجمعية نخبة من الخبراء والمهنيين في مختلف المجالات، من أكاديميين ومهندسين ومحامين وأطباء، يعملون جميعاً على صياغة رؤية مشتركة لاستغلال التكنولوجيا كأداة لتحقيق التنمية ورفع مستوى جودة الحياة والخدمات في المغرب.
وأكدت الجمعية، ضمن وثائقها التأسيس الصادرة هذا الشهر، على الحاجة الملحة لدعم الجانب المجتمعي للتحول الرقمي. فالنجاح لا يتوقف فقط على الجهود المؤسساتية، بل يستلزم أيضاً وجود مجتمع متمكن من فهم هذه التحولات واستغلال إمكاناتها الواسعة. وبعد إتمام مرحلة بناء هياكلها التنظيمية، أطلقت الجمعية سلسلة من المبادرات التأطيرية، منها لقاءات رقمية تناولت مرونة شبكات الاتصال ونموذج التجربة الرقمية الإستونية، بالإضافة إلى إعداد ورقتها المرجعية بثلاث لغات لتوسيع نطاق الحوار حول مستقبل الرقمنة بالمملكة.
ترى الجمعية أن التطورات العالمية قد أعادت تحديد مكانة المواطن في الأنظمة الحديثة، حيث تحوّل من مجرد متلقٍ للقرارات إلى شريك أساسي في تصميم الخدمات والسياسات العمومية. كما تؤكد أن الرقمنة لم تعد مجرد مجموعة أدوات تقنية، بل أضحت محركاً تنموياً قادراً على الارتقاء بالأداء المؤسساتي ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. وتراهن الجمعية على الاستفادة من التجاري الدولية الناجحة في المجال الرقمي، مع مراعاة الخصوصيات المغربية لضمان فعالية واستدامة هذه النماذج.
إن تحقيق تحول رقمي شامل يستوجب بناء الثقة الرقمية لدى المواطنين وتشجيعهم على استخدام الخدمات الإلكترونية. في هذا السياق، يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً محورياً عبر نشر الوعي، تنظيم برامج للتأهيل، ومواكبة الأفراد من مختلف الفئات لاكتساب المهارات الرقمية اللازمة. فالحد من استخدام بعض الخدمات الرقمية ليس نتيجة لغياب الحلول التقنية فحسب، بل يرتبط أيضاً بمستوى المعرفة والثقة والقدرة على التعامل معها. لذلك، يعدّ محو الأمية الرقمية شرطاً أساسياً لتحقيق استفادة أوسع من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا.
وفي إطار خطتها المستقبلية، تعكف الجمعية على إعداد مخطط استراتيجي شامل يحدد رؤيتها وبرامجها التنفيذية، مع وضع آليات دقيقة لتقييم الجودة وقياس الأثر لتحويل أهدافها إلى مشاريع ملموسة وواقعية. كما تسعى إلى تطوير نموذج عمل داخلي يعتمد بالكامل على الرقمنة، وذلك بتوظيف أحدث التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحوسبة السحابية. وبذلك، تعزز الجمعية قدراتها التنظيمية وتزيد من فعالية تواصلها مع مختلف الشركاء والفاعلين، وتعتمد في تمويل أنشطتها على نموذج مستدام يقوم على الشراكات والانخراطات والتبرعات والمنح، لضمان استمرارية برامجها الهادفة إلى تعزيز الاندماج الاجتماعي ودعم التنمية الرقمية في المغرب.

