تجد فرنسا نفسها اليوم أمام تحدٍ مالي معقد، حيث تتضاءل قدرة الحكومة على المناورة بسبب الارتفاع المتزايد في الدين العام وتكاليف خدمته. ويصعب تقليص الإنفاق الاجتماعي بشكل كبير دون إثارة مقاومة سياسية وشعبية واسعة، مما يضع البلاد في مأزق اقتصادي وسياسي حرج.
حذر وزير المالية الفرنسي ديفيد أميل من خطورة تأجيل القرارات المالية الحاسمة لما بعد الانتخابات الرئاسية القادمة، مشيرًا إلى أن هذا التأجيل قد يزيد من تعقيد الأزمة ويفرض خيارات أقسى على الحكومة المقبلة. وأكد أميل أن إصلاح المالية العامة يعد أولوية قصوى لفرنسا، واصفًا الوضع الراهن بـ “القنبلة الموقوتة”، وذلك بالتزامن مع إعداد مشروع موازنة 2027.
طالب الوزير المرشحين لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون بتقديم برامج انتخابية واقعية من الناحية المالية، بدلاً من الوعود بزيادة الإنفاق. وتواجه حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، التي تفتقر إلى أغلبية برلمانية، صعوبة في الموازنة بين زيادة مخصصات الدفاع والحفاظ على برامج التحول الأخضر، مع محاولة كبح جماح نمو الإنفاق الاجتماعي.
يحد ضعف النمو الاقتصادي من قدرة الحكومة على تقليص العجز، خاصة مع ارتفاع أعباء خدمة الدين وتداعيات الحرب مع إيران والحاجة الملحة لزيادة الإنفاق العسكري. وتتفاقم الضغوط مع تدهور سوق العمل، حيث بلغ معدل البطالة 8.3% خلال الربع الثاني، وهو الأعلى منذ ست سنوات، مما يزيد العبء على المالية العامة.
تشكل خدمة الدين تحديًا كبيرًا، حيث بلغت مدفوعات فوائد الدين العام 34.5 مليار يورو في النصف الأول من العام، بزيادة 18.8% عن العام الماضي. ويتوقع أميل أن ترتفع فاتورة الاقتراض هذا العام بنحو 11 مليار يورو. ويعزى جزء كبير من المشكلة إلى الزيادة المستمرة في الإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية، والتي تمثل حوالي 58% من إجمالي الإنفاق العام الفرنسي.
تواجه أي محاولة لتجميد الزيادات المرتبطة بالتضخم في المعاشات والمزايا الاجتماعية مخاطر سياسية كبيرة. وقد أعلنت الحكومة عن رفع الحد السنوي الذي يدفعه المواطنون مقابل الأدوية والاستشارات الطبية، في خطوة قد تواجه اعتراضات من الحزب الاشتراكي. وتكشف التطورات السياسية الأخيرة صعوبة تمرير الإصلاحات المالية، حيث شهدت فرنسا سقوط حكومات سابقة بسبب صراعات مرتبطة بالموازنة. ورغم ذلك، تؤكد الحكومة الحالية أنها تسعى لتخفيض الإنفاق لتجنب نقل العبء إلى الرئيس المقبل، بينما تراقب الأسواق المالية الوضع الفرنسي عن كثب وسط مخاوف من قدرة باريس على السيطرة على الدين والعجز.

