تعاني السلطة الفلسطينية حاليًا من واحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخها المعاصر، وذلك بسبب استمرار إسرائيل في حجز وسلب أجزاء كبيرة من أموال المقاصة. تُعد هذه الأموال الشريان الاقتصادي الرئيسي للسلطة وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
تتفاقم الأزمة بفعل انكماش اقتصادي حاد يشهده الفلسطينيون، تزامنًا مع تراجع كبير في حجم المساعدات الدولية وتدني دخل العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل. هذه العوامل مجتمعة تضع السلطة الفلسطينية أمام تحديات مالية غير مسبوقة، مما يدفعها لصرف أنصاف الرواتب لموظفيها العموميين منذ أشهر.
ويُذكر أن أموال المقاصة هي الضرائب والجمارك التي تقوم إسرائيل بتحصيلها نيابة عن الفلسطينيين على السلع المستوردة إلى الأراضي المحتلة، ويتم تحويلها شهريًا إلى وزارة المالية الفلسطينية بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية لعام 1994. وتشكل هذه الأموال أكثر من نصف الإيرادات العامة الفلسطينية بنسبة 56%، ما يجعل أي اقتطاع منها يؤثر سلبًا على قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الضرورية.
الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم، يؤكد أن السلطة الفلسطينية استنفدت معظم خياراتها المالية المتاحة لتجاوز الأزمة، بما في ذلك الاقتراض وتأجيل المستحقات. كما حذر الخبير الاقتصادي أيهم أبو غوش من أن استمرار حجز هذه الأموال دون وجود بدائل مالية دولية سيجعل حل الأزمة شبه مستحيل.
وتتجاوز تداعيات هذه الأزمة صرف الرواتب لتشمل تراجعًا حادًا في دخل آلاف الأسر الفلسطينية نتيجة فقدان عشرات الآلاف من العمال لوظائفهم داخل إسرائيل، فضلاً عن التباطؤ التجاري والانكماش الاقتصادي في الضفة الغربية. وتُشكل شبكة الأمان المالية العربية، التي تم إقرارها عام 2010 بقيمة مئة مليون دولار شهريًا لدعم الحكومة الفلسطينية، وسيلة لم تُفعل بعد رغم الدعوات المتكررة.
يواجه الاقتصاد الفلسطيني تراجعًا في ركائز أساسية مثل الإنفاق الحكومي ومداخيل العمال داخل إسرائيل، مما يزيد من معدلات البطالة والفقر. ويُحذر خبراء من تداعيات الأزمة على القطاع المصرفي الفلسطيني، حيث أن جزءًا كبيرًا من التسهيلات الائتمانية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالحكومة. إن الحلول المستدامة لهذه الأزمة تتطلب استئناف تحويل أموال المقاصة، وزيادة الدعم المالي الدولي، وتسريع الإصلاحات المالية والإدارية داخل مؤسسات السلطة.

