في قلب مدينة طانطان، يصدح صوت المنشار الكهربائي داخل ورشة تعج بالإبداع، حيث تتشكل الأخشاب على يد الصانع الماهر، ماء العينين فليل، لتتحول إلى تحف فنية مستوحاة من التراث الحساني الأصيل. يعمل فليل بدقة متناهية، من التقطيع والصقل إلى التجميع، ليُخرج كل قطعة في أبهى صورها الحرفية، محافظًا على عراقة الماضي بلمسة عصرية.
لا يقتصر عمل ماء العينين فليل على الإبداع الفردي، بل يمتد ليشمل نقل خبرته العميقة في صناعة الزخارف الخشبية لشباب من ذوي الإعاقة. انطلاقًا من قناعته بأن الحرفة مفتاح للإدماج الاجتماعي والمهني، يخصص جزءًا من وقته لتعليم هؤلاء الشباب، ليمنحهم الأمل والمهارة اللازمة لدخول سوق العمل. تعكس أعماله الغنية بلمسات الثقافة الحسانية وتقاليد الرحل في الأقاليم الجنوبية، حيث يعيد إحياء عناصر التراث الصحراوي في صناديق الشاي، والألعاب التقليدية، والساعات، ومجسمات الخيمة الحسانية.
من أبرز إبداعاته، علبة الشاي المستوحاة من صناديق الرحل القديمة، ولعبة “السيك” التقليدية التي حوّلها إلى علبة خشبية متنقلة، محافظًا بذلك على هذا الموروث الثقافي. وقد مكنته هذه الإبداعات من المشاركة في معارض ومهرجانات متعددة، كما يستفيد من التقنيات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي لتوسيع نطاق أعماله.
يعتبر فليل أن دوره كمؤطر في مركز للتكوين المهني بطانطان هو بمثابة رد للجميل للمركز الذي تلقى فيه تعليمه سابقًا. يدعم الشباب من ذوي الإعاقة في تعلم فنون الديكور والعمل بالخشب، مؤكدًا على الدور المحوري للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في توفير التجهيزات الضرورية التي تساهم في إنجاح عملية التكوين.
يرى ماء العينين فليل أن ذوي الإعاقة يمتلكون طاقات إبداعية هائلة تحتاج إلى من يكتشفها ويصقلها. فالمواكبة الملائمة والتدريب المتخصص يمكن أن يحول شغفهم إلى مصدر دخل حقيقي، مما يمكنهم من المساهمة الفاعلة في تنمية مجتمعهم. يمثل هذا الحرفي قدوة في الجمع بين صون التراث الثقافي وتعزيز الإدماج الاجتماعي، محولًا المهارة الحرفية إلى أداة للتمكين وبناء مستقبل مشرق للعديد من الشباب.

