تتجه الأبحاث العلمية في المغرب نحو استكشاف آفاق جديدة لاستغلال الثروات المعدنية المحلية لدعم القطاع الفلاحي. فقد كشفت دراسة مشتركة بين جامعة محمد السادس متعددة التخصصات وجامعة Canadian Light Source عن نتائج واعدة بشأن إمكانية استخلاص البوتاسيوم من صخور السيينيت، وذلك باستخدام تقنية المعالجة الحرارية المائية المبتكرة. هذه النتائج تفتح الباب أمام تطوير مصادر محلية يمكن أن تساهم مستقبلاً في إنتاج الأسمدة أو تحسين جودة التربة.
تُعد صخور السيينيت من الصخور النارية الغنية بالبوتاسيوم، إلا أن وجود هذا العنصر ضمن التركيبة البلورية لبعض المعادن، مثل الفلدسبار، يجعل من الصعب على النباتات امتصاصه. وقد أظهرت الأبحاث أن معالجة الصخور بأكسيد الكالسيوم تحت ظروف حرارية مائية، وبدرجات حرارة تتراوح بين 160 و200 درجة مئوية لمدة تصل إلى سبع ساعات، يؤدي إلى تغييرات ملحوظة في التركيب المعدني. وعند درجة حرارة 200 درجة مئوية، انخفضت نسبة الفلدسبار البوتاسي إلى حوالي 50%، مما أدى إلى تشكل معادن جديدة تحتوي على البوتاسيوم تكون أكثر قابلية للتحرر.
أظهرت الاختبارات المخبرية أن عملية تحرر البوتاسيوم من المادة المعالجة تحدث على مرحلتين، حيث يتم تحرر سريع نسبياً للعنصر في البداية، يليه تحرر تدريجي. وقد سجلت القياسات تركيزاً للبوتاسيوم بلغ حوالي 1600 ملغ لكل لتر بعد 15 دقيقة، بالإضافة إلى حوالي 900 ملغ لكل لتر من الكالسيوم. ومع ذلك، لا تعني هذه التركيزات أنها جرعات مناسبة لتسميد المحاصيل، بل تعكس فقط سلوك المادة في بيئة مختبرية ولا تحدد الكمية التي يمكن للنباتات امتصاصها في التربة بشكل فعلي.
تندرج هذه الدراسة ضمن سلسلة من الأبحاث التي تهدف إلى تثمين الصخور المغربية الغنية بالمعادن للاستفادة منها في القطاع الزراعي. فقد سبقت هذه الدراسة أبحاث أخرى في عام 2021 تناولت طرق المعالجة القلوية لصخور السيينيت والتراكيت من مناطق مغربية مختلفة، بالإضافة إلى دراسة نشرت عام 2025 بحثت في إمكانات استغلال صخور السيينيت بجنوب المغرب. يعكس هذا التراكم البحثي اهتماماً متزايداً بتحويل الموارد الجيولوجية المغربية إلى مواد ذات قيمة مضافة، خاصة في صناعة الأسمدة التي تُعد عنصراً حيوياً للأمن الغذائي.
بالإضافة إلى تحرر البوتاسيوم، أظهرت التجارب أيضاً تحرر الكالسيوم ووجود مؤشرات على عملية الكربنة، مما يفتح المجال لدراسة إمكانية استخدام المادة كمحسن للتربة في ظروف معينة. ولكن، لا يمكن تعميم هذا الاستخدام على جميع الأراضي الزراعية المغربية نظراً لاختلاف خصائص التربة. كما أن التربة الكلسية أو القلوية قد لا تستفيد من إضافة الكالسيوم بنفس القدر الذي تستفيد منه التربة الحمضية، مما يستدعي إجراء تجارب ميدانية لتحديد أنواع التربة المناسبة والجرعات المثلى.
على الرغم من النتائج الواعدة في المختبر، لا تزال هناك تحديات كبيرة قبل أن يصبح السيينيت المعالج منتجاً تجارياً متاحاً للمزارعين. يتطلب الأمر إجراء تجارب مكثفة على محاصيل وأنواع تربة مختلفة لتحديد فعالية المادة وتأثيرها على المدى القصير والطويل، بالإضافة إلى تحليل سلامتها وتقييم الجوانب الاقتصادية لعمليات الطحن والمعالجة الحرارية. فاستهلاك الطاقة وتكلفة الإنتاج في درجات الحرارة المرتفعة سيحددان مدى قدرة هذه التقنية على المنافسة في سوق الأسمدة. حالياً، يمثل السيينيت المعالج مادة بحثية واعدة أثبتت قدرتها على جعل البوتاسيوم أكثر قابلية للتحرر في المختبر، وفي حال أثبتت التجارب المستقبلية جدواها وسلامتها، فقد تُحدث هذه الأبحاث نقلة نوعية في تثمين الموارد المعدنية المغربية وتطوير مدخلات زراعية محلية.

