تعيش النساء الحوامل في قطاع غزة ظروفاً إنسانية قاسية واستثنائية، فبينما تحاول الفلسطينية هديل المدني، في شهرها السابع من الحمل، أداء مهامها اليومية البسيطة داخل خيمتها، تتحول هذه المهام إلى أعباء شاقة تستنزف جسدها وتضاعف من مخاوفها على صحة جنينها. الأعمال اليومية كالغسيل والطهي وجلي الأواني، التي كانت تستغرق وقتاً قصيراً قبل اندلاع الحرب، أصبحت تتطلب جهداً ووقتاً مضاعفين، بدءاً من جلب ونقل المياه وصولاً إلى إعداد الطعام في ظل غياب أبسط مقومات الحياة.
تتفاقم هذه المعاناة في ظل ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام البلاستيكية، التي تتحول إلى أفران حارقة، مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي منذ بدء الحرب الإسرائيلية في 8 أكتوبر 2023. هذه الظروف القاسية لا تؤدي فقط إلى الإرهاق اليومي، بل تزيد من خطر الإجهاض وسوء التغذية وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، مما يلقي بظلاله على صحة الأمهات والأجنة. وتشير إحصائيات وزارة الصحة في غزة إلى ارتفاع مقلق في حالات الإجهاض، حيث تم تسجيل 3958 حالة خلال النصف الأول من عام 2026، وهو ما يعادل 3.3 أضعاف المعدل المسجل في النصف الثاني من عام 2025.
تعبر هديل المدني عن قلقها الشديد على جنينها، خاصة مع نقص المياه الجارية والكهرباء ووسائل التبريد، في حياة تصفها بالمأساوية داخل الخيام. تتخوف من تأثير الحرارة الشديدة والقوارض على أدويتها وعلى صحة طفلها المنتظر، خشية أن يصاب بتشوهات أو مشاكل صحية جراء هذه الظروف غير الإنسانية. وفي خيمة أخرى، تنتظر دعاء النجار ولادتها المرتقبة خلال أيام قليلة، وهي تعاني من مضاعفات صحية بسبب حرارة الخيمة المرتفعة، مما يضطرها لزيارة الأطباء بشكل متكرر. وتشعر دعاء بالخوف والقلق على سلامة مولودها، لا سيما مع عدم توفر أبسط مستلزمات الرعاية للرضع كالأسرّة والملابس والحفاضات.
وتتطرق دعاء النجار إلى الخطر الذي تشكله القوارض والحشرات على حياة طفلها حديث الولادة في ظل بيئة الخيام المفتوحة. ويعاني سكان غزة من تدهور اقتصادي حاد وفقدان الوظائف، مما يجعلهم يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الإغاثية، التي تشهد بدورها نقصاً كبيراً بسبب القيود الإسرائيلية المشددة على المعابر. وقد حذرت جهات حكومية وحقوقية فلسطينية مراراً من تداعيات هذه الانتهاكات على حياة المدنيين، وخاصة المرضى والحوامل، الذين يواجهون نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية.
يؤكد الدكتور إياد أبو حصيرة، رئيس قسم أمراض النساء والتوليد في مستشفى الحلو الدولي، أن الحوامل في غزة يواجهن صعوبات جمة نتيجة للنزوح المتكرر وتدمير المنازل وانهيار منظومة الرعاية الصحية. وأشار إلى أن العيش في الخيام غير المؤهلة للعيش وممارسة المهام الشاقة كرفع غالونات المياه، يعرض حياتهن وحياة أجنتهن للخطر، مما يتسبب في مشاكل صحية كالأنيميا. وتظهر بيانات وزارة الصحة أن 57.1% من الحوامل المسجلات عام 2025 يعانين من فقر الدم.
وتستمر إسرائيل في استهداف المستشفيات والمنشآت الصحية، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في القطاع، ففي مطلع شهر أغسطس الجاري، دمر الجيش الإسرائيلي مخازن الأدوية في مستشفى شهداء الأقصى. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تعمل 44% فقط من نقاط تقديم الخدمات الصحية مقارنة بما قبل أكتوبر 2023، كما أن معظم الأدوية الأساسية قد نفدت. هذه الأوضاع المأساوية تأتي في ظل حصيلة دامية للحرب، حيث قُتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وأصيب أكثر من 174 ألفاً، بالإضافة إلى تدمير شامل طال 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع.

