بعد فترة من التوسع المطرد، تشهد تقنيات الذكاء الاصطناعي تحولًا ملحوظًا، حيث بدأت الشركات الكبرى في إعادة تقييم جدواها الاقتصادية. وصف كيفن سيمباك من حاضنة “ديلفي لابس” هذه المرحلة بأنها نهاية عصر “الذكاء المدعوم”، مشيرًا إلى أن الشركات الرائدة في هذا المجال، مثل “أوبن إيه آي”، قدمت في البداية أسعارًا مغرية لتشجيع الاعتماد الواسع على هذه التكنولوجيا، ما أدى إلى تكبدها خسائر مالية. لكن مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي، وخاصة مع ظهور تطبيقات مثل وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على إنجاز مهام معقدة، ارتفعت التكاليف بشكل كبير.
تزامنت هذه التغييرات مع ارتفاع هائل في الطلب على البنى التحتية المعلوماتية، حيث تواجه مراكز البيانات وشركات تصنيع الرقاقات صعوبة في مواكبة هذا النمو المتسارع، مما أدى إلى زيادة تكلفة الوصول إلى هذه الموارد بشكل غير مسبوق. وأشار مارك بارتون من “أومنيوكس” إلى أن المطورين هم الأكثر تأثرًا بهذا الارتفاع في تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي. هذا الواقع دفع بشركات كبرى مثل “ستاربكس” و”أوبر” إلى مراجعة استراتيجياتها المتعلقة بالنشر العشوائي للذكاء الاصطناعي، بعد أن أظهرت بعض الدراسات أن التكلفة الشهرية لاستخدام هذه التقنيات قد تتجاوز رواتب الموظفين في بعض الحالات.
حتى عملاق التكنولوجيا “ميتا”، الذي كان رائدًا في استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة الإنتاجية، بدأ يدعو إلى استخدام أكثر عقلانية لهذه الأدوات. وفي مذكرة داخلية، حذر أندرو بوسوورث، مسؤول التكنولوجيا في الشركة، من “الاستخدام غير المبرر لأدوات الذكاء الاصطناعي”. وكنتيجة لهذه التحديات، تتجه معظم الشركات الآن نحو البحث عن حلول ذكاء اصطناعي أقل تكلفة، إما بالاعتماد على نماذج مفتوحة المصدر أو تطوير نماذج أصغر وأكثر تخصصًا تتناسب مع احتياجات محددة، مثل القطاع العقاري أو المالي.
تُعرف هذه النماذج الأصغر بـ “نماذج اللغات الصغيرة” (SLM)، وتمتاز بقدرتها على العمل محليًا على خوادم الشركات أو حتى على الأجهزة الشخصية، ما يقلل من الحاجة إلى الاعتماد على خدمات الحوسبة السحابية الباهظة. وأوضح أدريان بلفور من “إنفرسو” أن تقسيم المهام المعقدة إلى خطوات صغيرة وتخصيص كل خطوة لنموذج الذكاء الاصطناعي الأقل تكلفة يمكن أن يحقق وفورات كبيرة. فبينما يكلف النموذج الضخم 15 دولارًا لكل مليون رمز، يمكن تخفيض هذه التكلفة إلى نحو خمسة سنتات باستخدام النماذج الصغيرة والمتخصصة.
يرى الخبراء أن هذه التطورات تشير إلى تحول الذكاء الاصطناعي نحو أن يصبح سلعة شائعة، مع التركيز على الكفاءة والفعالية بدلًا من القوة الخام. وفي هذا السياق، تزداد أهمية المنصات المتخصصة في اختيار تنسيق النماذج والوكلاء، مثل “بيدروك” من أمازون، التي تقدم مجموعة متنوعة من أدوات الذكاء الاصطناعي. ورغم هذه التغيرات، لا يتوقع جون بيلتون من “غابيلي فاندز” أن تخسر الشركات الكبرى حصتها السوقية، مؤكداً أن المستخدمين المتقدمين سيظلون على استعداد للدفع مقابل أحدث وأقوى التقنيات.

