في خضم الجدل المتصاعد بشأن كيفية صرف الدعم الحكومي الموجه لقطاع المواشي، وتزايد المطالبات بالكشف عن تفاصيل هذا الملف الذي شغل الرأي العام، يلفت انتباه المراقبين الغياب الملحوظ لفريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب عن هذا النقاش الدائر. هذا الصمت يثير تساؤلات جدية حول موقع الفريق من إحدى القضايا الأكثر حساسية في المرحلة الحكومية الراهنة.
هذا الموقف المتحفظ لا يضع فريق “الأحرار” في مواجهة مباشرة مع المعارضة التي تسعى لتفعيل أدوات الرقابة البرلمانية فحسب، بل يميزه أيضاً عن باقي مكونات الأغلبية الحاكمة. فبالمقابل، أعرب كل من فريقي الأصالة والمعاصرة والاستقلال عن دعمهما الصريح لمبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم الموجه لقطاع المواشي، مؤكدين على أهمية هذه اللجنة في إجلاء الحقيقة وتنوير الرأي العام.
لقد انخرط عدد من النواب من الحزبين المذكورين في هذه المبادرة الرقابية، بانتظار استكمال التوقيعات الرسمية على الطلب. إلا أن فريق التجمع الوطني للأحرار لا يزال يلتزم الصمت، دون الإدلاء بموقف واضح يدعم المبادرة أو يعارضها، مما يمهد الطريق أمام المزيد من التكهنات والتأويلات السياسية.
كان من المتوقع أن يضطلع فريق التجمع الوطني للأحرار، لكونه الكتلة النيابية الأكبر في مجلس النواب وكونه يمثل الحزب القائد للتحالف الحكومي، بدور محوري في توجيه الحوار العام وبلورة موقف حاسم إزاء المبادرات الرقابية المتعلقة بالأداء الحكومي. وكان من شأن ذلك أن يؤثر حتى في مواقف الأحزاب الأخرى ضمن الأغلبية.
يفرض استمرار هذا الغموض في موقف فريق الأحرار البرلماني تحدياً كبيراً على رئيسه الجديد، ياسين عوكاشا، الذي يتولى هذه المسؤولية خلفاً لمحمد شوكي. يتطلب هذا الوضع من رئيس الفريق الجديد أن يبرز حضوراً قوياً يتناسب مع حجم تمثيله النيابي، وأن يكون سباقاً في صياغة المواقف السياسية والتعبير عنها بوضوح وجرأة، خصوصاً في هذا الظرف الدقيق، عبر إعلان موقف الفريق بشأن طلب تشكيل لجنة تقصي الحقائق.
تجدر الإشارة إلى أن الجدل حول الدعم العمومي المقدم لقطاع المواشي قد تفاقم، سواء فيما يتعلق بالدعم المالي المباشر أو الإعفاءات الجمركية الممنوحة للمستوردين. ويعود ذلك إلى عدم انعكاس هذه الإجراءات الحكومية إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل استمرار ارتفاع أسعار اللحوم وتزايد تكلفة الأضاحي بشكل ملحوظ.

