في سياق التحولات المناخية والاقتصادية المتسارعة عالميا، يتصدر ملف السيادة الغذائية قائمة الرهانات الاستراتيجية للمغرب، خاصة في ظل الإكراهات الطبيعية والبنيوية التي تؤثر على أداء القطاع الفلاحي. ويزداد هذا النقاش حدة مع توالي سنوات الجفاف وتقلبات الأسواق الدولية، مقابل الحاجة إلى ضمان تموين مستقر وبأسعار معقولة للمواد الغذائية.
ويرى متتبعون أن تحقيق سيادة غذائية شاملة، تقوم على إنتاج كافة الحاجيات محليا دون اللجوء إلى الاستيراد، يظل هدفا نظريا يصعب تحقيقه عمليا، بالنظر إلى العوامل المناخية وتفاوت الموارد الطبيعية وترابط الأسواق العالمية. في المقابل، يبرز خيار السيادة الغذائية النسبية أو الاستراتيجية كبديل أكثر واقعية، من خلال التركيز على تحقيق الاكتفاء في سلاسل إنتاج أساسية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد القطاع الفلاحي المغربي جهودا لتطوير الإنتاج وتعزيز بعض السلاسل الحيوية، خصوصا الحليب ومشتقاته والبيض. غير أن هذه الدينامية لم تمنع من بروز اختلالات، خاصة في قطاع الإنتاج الحيواني الذي تأثر بشكل ملحوظ بتداعيات الجفاف وتراجع الموارد العلفية.
وأدت موجات الجفاف المتتالية إلى تقلص المساحات الرعوية وارتفاع كلفة الأعلاف، ما انعكس سلبا على مردودية المربين واستقرار القطيع الوطني. كما اضطر عدد من الفلاحين إلى تقليص حجم قطعانهم أو بيع الأبقار الحلوب، وهو ما يثير مخاوف بشأن استدامة الإنتاج الحيواني.
في السياق ذاته، عرفت أسعار الماشية تقلبات حادة خلال السنوات الأخيرة بفعل اضطرابات سلاسل التوريد بعد جائحة كورونا، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف آليات الدعم في بعض الفترات. ولم تقتصر آثار هذه التقلبات على المنتجين، بل امتدت إلى المستهلكين، خاصة خلال فترات الذروة مثل عيد الأضحى.
ويبرز في هذا الإطار التمييز بين مفهومي السيادة الغذائية والأمن الغذائي؛ إذ ترتبط الأولى بالتحكم في المنظومة الإنتاجية، بينما يركز الثاني على ضمان توفر المواد الغذائية بغض النظر عن مصدرها.

