أكد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين بالمملكة المغربية ورئيس رابطة مجالس الشيوخ والشورى والمجالس المماثلة في إفريقيا والعالم العربي، أن الخلل الكبير في التكامل الاقتصادي يحرم القارة السمراء من مكتسبات وفرص تنموية ضخمة. وأشار إلى أن التقديرات تشير إلى أن تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية وحدها كفيل بإضافة ما يقارب 450 مليار دولار لاقتصاد إفريقيا، وانتشال حوالي 30 مليون شخص من الفقر المدقع، بالإضافة إلى مضاعفة التبادل التجاري البيني.
جاءت تصريحات ولد الرشيد اليوم السبت، خلال الجلسة الإفريقية المخصصة لمناقشة “منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وربط سلاسل القيمة الأورو إفريقية: نحو فضاء مندمج للإنتاج المشترك والاستثمار والصمود الاقتصادي”، وذلك ضمن فعاليات الدورة الرابعة لمنتدى مراكش الاقتصادي البرلماني لمنطقة الأورو متوسطية والخليج العربي. وشدد ولد الرشيد على أن ملايين الشباب الأفارقة يبحثون عن فرص عمل لائقة، ليس بسبب فقر القارة، بل لعدم قدرتها على تحويل إمكانياتها الهائلة إلى قيمة مضافة وفرص حقيقية، مؤكداً أن مستقبل إفريقيا يعتمد على قدرتها على توفير فضاء للعيش والاستقرار.
وأوضح رئيس مجلس المستشارين أن من أهم الدروس المستخلصة من النظريات الاقتصادية والتجارب التنموية الناجحة هو أن الاندماج الاقتصادي وتعزيز التجارة البينية يُشكلان المدخل الأكثر فعالية لتحقيق التحرر الاقتصادي الإفريقي. وأشار إلى أن التجارة البينية الإفريقية لا تتجاوز حالياً 15٪ من إجمالي تجارة القارة، وهو رقم مقلق مقارنة بنحو 70٪ في أوروبا و 60٪ في آسيا. ودعا إلى معالجة ثلاثة تحديات رئيسية؛ أولها الربط والبنيات التحتية من خلال الاستثمار المستدام في الموانئ الحديثة، الممرات التجارية، الربط السككي، اللوجستيك الرقمي والطاقي.
أما التحدي الثاني، فيتمثل في توفير التمويل من خلال ابتكار آليات مرنة لسد الفجوة التمويلية الضخمة وتعبئة المؤسسات المالية لدعم المشاريع المشتركة وسلاسل القيمة العابرة للقارات. وثالث التحديات هو التقارب التنظيمي والتشريعي، وإزالة الحواجز غير الجمركية وتبسيط قواعد المنشأ لضمان انسيابية التبادل التجاري. وأكد ولد الرشيد أن المغرب يُعد من أكبر المستثمرين الأفارقة داخل القارة، مع تزايد حضوره في قطاعات استراتيجية كالبنوك والتأمين والاتصالات والأسمدة والبنيات التحتية، حيث تجاوزت مبادلاته التجارية مع إفريقيا 56 مليار درهم، بنمو يقارب 50% خلال عقد واحد.
وأشار إلى أن المغرب يجسد هذا التوجه في قطاعات مثل صناعة السيارات، التي تجاوزت صادراتها 158 مليار درهم، مما جعل المملكة أول مصدر في القارة، وكذلك في منظومة المكتب الشريف للفوسفاط التي تغطي أكثر من نصف احتياجات القارة من الأسمدة، وتُساهم في مشاريع صناعية وفلاحية مشتركة تعزز الأمن الغذائي. وتتجلى هذه الرؤية المغربية في مشاريع كبرى مثل أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، والمبادرة الملكية الأطلسية لدول الساحل، والمبادرة الإفريقية الأطلسية.
واختتم ولد الرشيد حديثه بالتأكيد على أن مسؤولية البرلمانات في تحقيق أهداف منطقة التجارة الحرة القارية وربطها بسلاسل القيمة الأورو إفريقية مسؤولية جوهرية وغير قابلة للتفويض. فنجاح هذا المشروع القاري يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة البرلمانات على مواءمة القوانين الوطنية، وإزالة العوائق غير الجمركية، وتوفير الأمن القانوني للاستثمارات، ووضع آليات فعالة للمتابعة والمساءلة، بالإضافة إلى سن تشريعات تُشجع الإنتاج المشترك وتُفتح الأسواق البينية وتُعزز القيمة المضافة المحلية.

