تشهد العلاقات المغربية الفرنسية اليوم محطة مفصلية، حيث تستعد الرباط وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية. يأتي هذا التطور بعد فترة من التقارب السياسي وإعادة التموضع الدبلوماسي، بهدف تعزيز التعاون الثنائي في قطاعات حيوية تشمل الاقتصاد والطاقة والدفاع والاستثمارات الكبرى.
تترأس الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى، المزمع عقده، رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو، في أول زيارة له خارج فرنسا منذ توليه منصبه، إلى جانب نظيره المغربي عزيز أخنوش. يمثل هذا الاجتماع آلية حوار مؤسساتي بارزة بين البلدين، ويهدف إلى بلورة رؤى مشتركة لمستقبل التعاون، خاصة بعدما عرفت العلاقات توترات دبلوماسية في السنوات الماضية، تلاها تحول إيجابي في الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية.
من المتوقع أن تركز المباحثات على جوانب متعددة، أبرزها تعزيز الشراكة الاقتصادية وزيادة الاستثمارات الفرنسية في المغرب، لا سيما في مجالات البنية التحتية والنقل والصناعة والطاقة. يتزامن هذا التوجه مع الأوراش التنموية الكبرى التي أطلقها المغرب استعدادًا لاستضافة كأس العالم 2030، والتي تفرض حاجيات استثمارية متزايدة.
كما سيشغل ملف الطاقة حيزًا مهمًا من النقاش، مع اهتمام البلدين بتطوير مشاريع استراتيجية في مجال الانتقال الطاقي. وتشمل الأجندة بحث إمكانيات التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية، عبر تقنية المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs)، التي تعد خيارًا واعدًا لتعزيز الأمن الطاقي وتنويع مصادر الطاقة. يطمح المغرب إلى تعزيز مكانته كفاعل إقليمي في الطاقات النظيفة، مستفيدًا من موارده الطبيعية وإمكاناته الهائلة في الطاقات المتجددة.
سيتضمن جدول الأعمال أيضًا مشروع الربط الكهربائي البحري بين البلدين، والذي يسعى إلى نقل الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة بالمغرب إلى الأسواق الأوروبية، مما يعزز اندماج المملكة في منظومة الطاقة الأوروبية ويؤكد موقعها كمصدر مستقبلي للطاقة الخضراء.
وعلى الصعيد العسكري، ستحتل قضايا التعاون الدفاعي مكانة بارزة، لا سيما ما يتعلق بتطوير القدرات البحرية للمغرب. تسعى فرنسا لتعزيز حضورها في هذا المجال عبر تقديم عرض يشمل غواصات “سكوربين”، في ظل منافسة من دول أخرى مثل إسبانيا وكوريا الجنوبية. يكتسب هذا التوجه أهمية استراتيجية للمغرب نظرًا لموقعه الجغرافي الفريد على واجهتين بحريتين، الأطلسية والمتوسطية، وقربه من مضيق جبل طارق، مما يجعل تعزيز القدرات البحرية ضرورة لحماية مصالحه الأمنية والاستراتيجية.

