أكدت أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أن المملكة المغربية تتبنى استراتيجية فريدة في مجال الذكاء الاصطناعي، تختلف عن النماذج العالمية السائدة، وتُعرف بـ”الطريق الثالث”. وتركز هذه الرؤية على بناء سيادة رقمية حقيقية من خلال تطوير منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية والاقتصادية للمغرب، وتهدف إلى توظيف هذه التقنيات لخدمة التنمية وتحسين جودة الخدمات العامة، بدلاً من الانخراط في سباق عالمي يعتمد على استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
أوضحت السغروشني، في مقال رأي نشرته على منصة “بروجيكت سينديكيت” أمس، أن النماذج العالمية للذكاء الاصطناعي نابعة من بيانات ولغات وأولويات الدول المتقدمة، مما يحد من قدرتها على تلبية احتياجات الدول الأخرى. لذلك، لا يسعى المغرب إلى منافسة القوى الكبرى في امتلاك أكبر مراكز الحوسبة، بل يركز على إنشاء منظومة وطنية متكاملة تعتمد على تنظيم البيانات وتأهيل الكفاءات وتحديد الأولويات، مع توجيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي نحو قطاعات استراتيجية مثل التعليم والصحة والإدارة والفلاحة والصناعة والدفاع.
تستند هذه الاستراتيجية إلى مخرجات المناظرات الوطنية للذكاء الاصطناعي التي احتضنتها مدينة الرباط سنة 2025، وتتجلى ملامحها في استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″ و”خارطة الطريق: الذكاء الاصطناعي صنع في المغرب”. وتضع هاتان الوثيقتان جودة البيانات، وتنمية المهارات الرقمية، وتقوية المؤسسات، وتحديد الاستخدامات ذات الأولوية في صلب المشروع الوطني للتحول الرقمي. كما يخطط المغرب للاستثمار في تطوير النماذج اللغوية الصغيرة والفعالة (SLM) بدلاً من النماذج اللغوية الضخمة (LLM)، نظراً لكونها أكثر كفاءة وأقل تكلفة وتتسق مع متطلبات الاستدامة.
وفي إطار تعزيز سيادته اللغوية والرقمية، أومأت الوزيرة إلى الشراكة مع شركة “ميسترال للذكاء الاصطناعي (Mistral AI)” لتطوير أول نموذج لغوي مغربي يدعم اللغات العربية والدارجة والأمازيغية. كما يُعتبر مشروع “إدارتي IDARATI x.0” ومنصة “إدارتي” الرقمية المستقبلية ركائز أساسية لتحديث الإدارة العمومية وتبسيط الإجراءات وتحسين تجربة المواطنين. وعلى صعيد البنية التحتية، يتجه المغرب نحو إنشاء مركز بيانات أخضر في مدينة الداخلة بقدرة 500 ميغاواط بحلول عام 2030، بالإضافة إلى إنشاء أول منطقة سحابية فائقة السعة في شمال إفريقيا وتشغيل الحاسوب العملاق “توبقال”، الذي يُعد الأكبر حوسبياً في القارة الأفريقية.
لا تقتصر هذه المشاريع على تعزيز البنية الرقمية، بل تهدف أيضاً إلى تمكين المملكة من التحكم في بياناتها وخوارزمياتها وخياراتها التكنولوجية. ويستمر المغرب في الاستثمار في رأسماله البشري، مع خطة لتكوين حوالي 100 ألف متخصص في المجالات الرقمية سنوياً بحلول عام 2030، من خلال توسيع العرض التكويني في المدارس الهندسية وإطلاق برامج للدكتوراه ومبادرات موجهة للشباب.

