تشهد جنوب إفريقيا، مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية في الرابع من نونبر المقبل، جدلاً واسعاً حول إعادة تسمية المدن والمعالم الجغرافية. هذه العملية، التي تتجاوز مجرد التحديث الإداري للخرائط، أصبحت قضية محورية في المشهدين الثقافي والسياسي، لتقاطعها مع قضايا العدالة المكانية، التنمية الاقتصادية، وتحديد الهوية الوطنية في مرحلة ما بعد الفصل العنصري.
منذ اعتماد قانون المجلس الجنوب إفريقي للأسماء الجغرافية عام 1998، انخرطت البلاد في مسار لإعادة تسمية أكثر من 1500 موقع، كانت غالبيتها تحمل أسماء تعود الى الحقبتين الاستعمارية والعنصرية. يهدف هذا التوجه إلى إعادة الاعتبار للغات والثقافات الإفريقية التي تعرضت للتهميش لعقود طويلة. ومن أبرز القضايا المثارة حالياً، مقترح إعادة تسمية منتزه كروغر الوطني، بدعم من المؤتمر الوطني الإفريقي وحزب أومخونتو وي سيزوي، وهو ما أثار ردود فعل متباينة.
يعتبر كثيرون أن بول كروغر، الذي حمل المنتزه اسمه عام 1926، يمثل رمزاً للماضي العنصري، بينما يراه الأفريكانيون بطلاً وطنياً قاد المقاومة ضد الاستعمار البريطاني. وقد نددت جماعة الضغط الأفريكانية “أفريفوروم” بما وصفته بـ”السياسة الرخيصة”، وتعهدت بالطعن قضائياً في أي تغيير للاسم دون استكمال الإجراءات القانونية، مؤكدين أن بول كروغر هو المؤسس الفعلي للمنتزه.
أكد باحثون وخبراء، مثل يوهان برغر من جامعة بريتوريا، أن تغيير اسم معلمة بحجم منتزه كروغر قد يضر بقطاع السياحة الذي يساهم بنسبة 9% من الناتج الاقتصادي للبلاد. فاسم “كروغر” أصبح علامة سياحية عالمية تتجاوز دلالاته التاريخية، ورأوا أن الحفاظ على قيمته الاقتصادية لا يتعارض مع إبراز التاريخ والثقافات الإفريقية عبر وسائل أخرى كالمتاحف والبرامج التوعوية.
شددت سوزان بويزن، أستاذة العلوم السياسية بجامعة ويتواترسراند، على أن هذا الصراع حول الرموز يعكس التنافس المستمر حول تعريف الهوية الوطنية بعد نهاية نظام الميز العنصري. من جهتها، تؤكد الحكومة أن إعادة تسمية المواقع لا تهدف إلى محو التاريخ، بل إلى تحقيق تمثيل عادل لمختلف مكونات المجتمع الجنوب إفريقي، مشددة على أن جميع المقترحات تخضع لإجراءات تشاورية دقيقة.
وفي خضم هذا الجدال المحتدم، يواصل مواطنو جنوب إفريقيا التكيف مع الأسماء الجديدة، مثل مطار أوليفر تامبو الذي حل محل مطار يان سموتس، ومدينة ماكاندا التي عوضت غراهامزتاون. وتظل جنوب إفريقيا، “أمة قوس قزح”، تسعى للتوفيق بين ماضيها المعقد وطموحها لبناء هوية وطنية جامعة، حيث يصبح التاريخ مجالاً للحوار لا ساحة جديدة للصراع.

