رغم تصنيف المغرب في المرتبة 128 عالمياً بمؤشر تكلفة الإيجار لعام 2026 الصادر عن موقع “نامبيو”، ما يضعه ضمن الدول ذات الكلفة المنخفضة نسبياً، إلا أن الواقع المعيشي داخل المدن المغربية يكشف تفاوتاً كبيراً وغير متوقع. هذا التباين يعكس ضغط الطلب المتزايد على السكن في المراكز الحضرية الكبرى، مما يؤدي إلى ارتفاعات ملحوظة في الأسعار تتعارض مع الصورة الدولية العامة للمملكة.
تُظهر البيانات أن مدناً مثل الدار البيضاء والرباط تتصدر قائمة المدن ذات الإيجارات المرتفعة. في الدار البيضاء، يبلغ مؤشر الإيجار نحو 13.2 نقطة، حيث تتراوح إيجارات الشقق ذات الغرفة الواحدة في المناطق المركزية بين 6000 و8500 درهم شهرياً، بينما تصل الشقق ذات الغرفتين إلى 13000 درهم. ويعزى هذا الارتفاع إلى مكانة المدينة كمركز اقتصادي ومالي رئيسي. أما في الرباط، بمؤشر إيجار يقارب 12.1 نقطة، تتراوح إيجارات الشقق ذات الغرفة الواحدة بين 8000 و15000 درهم، وتصل الشقق ذات الغرفتين إلى 18500 درهم في أحياء مثل أكدال وحي الرياض، نتيجة لكونها عاصمة إدارية ودبلوماسية.
تلي ذلك طنجة بمؤشر يقارب 10.6 نقطة، حيث يتراوح إيجار الشقة ذات الغرفة الواحدة بين 4500 و10500 درهم، والشقتين بين 5000 و13000 درهم، ما يعكس التطور الاقتصادي والعمراني الذي تشهده المدينة. في المقابل، تظهر أكادير ومراكش مستويات أكثر اعتدالاً. ففي أكادير، يبلغ المؤشر 7.9 نقطة، وتتراوح الأسعار بين 4000 و5500 درهم للغرفة الواحدة، و4500 و8500 درهم للغرفتين، مما يجعلها خياراً يجمع بين جودة الحياة والتكلفة المعقولة. أما مراكش، فمؤشرها 9.6 نقطة، وتتراوح الأسعار فيها بين 6500 و10500 درهم للغرفة الواحدة، و6000 و13000 درهم للغرفتين، مع تفاوت كبير حسب الموقع.
على النقيض، تقدم المدن الداخلية مثل فاس خيارات سكنية أكثر اقتصاداً، حيث يمكن أن تتراوح إيجارات الشقق ذات الغرفتين بين 3000 و6500 درهم شهرياً. هذه الفروقات الجوهرية تبرز الدور المحوري لقوة الطلب في تحديد مستويات الإيجار بالسوق العقاري المغربي. فالمناطق التي تشهد نشاطاً اقتصادياً وإدارياً وسياحياً مرتفعاً، مع فرص عمل واعدة، تشهد ضغطاً أكبر على السوق السكنية، خاصة في ظل محدودية العرض.
على الرغم من هذه التباينات الداخلية، يظل المغرب مصنفاً ضمن الأسواق ذات تكلفة الإيجار المنخفضة عالمياً، إلا أن اختيار المدينة والحي يظل عاملاً حاسماً في تحديد الميزانية المخصصة للسكن. وتوفر المدن الأقل كثافة سكانية أو البعيدة عن مراكز الأعمال الرئيسية خيارات أكثر مرونة، ما يتيح للأسر والموظفين والوافدين فرصاً أوسع لاختيار السكن المناسب بأسعار معقولة.

