في ظل ظروف استثنائية يفرضها الواقع الأليم، تستعد غزة لاستقبال عام دراسي جديد، حيث تحولت باحة مدرسة النصر غرب المدينة إلى رمز للصمود والتحدي. فبينما تتكدس حقائب الطلاب بجانب أمتعة النازحين، تنصب ست خيام لتشكل فصولاً دراسية مؤقتة، في مشهد يلخص معاناة التعليم في قطاع مزقته الحروب. ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية التعليمية، يتوق الأطفال للعودة إلى مقاعد الدراسة، مؤكدين أن العلم شعلة لا تنطفئ حتى في أحلك الظروف.
تزامناً مع اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات، الذي يصادف التاسع من شتنبر من كل عام، يواجه القطاع تحديات جمة. فبحسب الأمم المتحدة، لا يزال استخدام المدارس كمراكز إيواء للنازحين، إضافة إلى محدودية المساحات الآمنة وشح المستلزمات التعليمية، يعيق الوصول إلى تعليم ذي جودة. وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن 95% من مدارس القطاع تعرضت لأضرار جراء القصف الإسرائيلي، ما يستدعي جهوداً مكثفة لإعادة تأهيل المنظومة التعليمية بأكملها.
يعكس إسماعيل رضوان، ذو العشرة أعوام، صورة الألم والأمل معاً. فقد فقد والده عام 2025 وواجه النزوح المتكرر، ما أدى إلى انقطاعه عن الدراسة لسنوات. يحكي إسماعيل عن قسوة الخيام التي لا تقي من حر الصيف ولا برد الشتاء، وتغرق في مياه الأمطار، مما يعرقل الدراسة. ورغم هذه الظروف القاسية، يظل حلمه بأن يصبح طبيباً لعلاج أبناء شعبه دافعاً قوياً له للاستمرار، مطالباً بتحسين البيئة التعليمية عبر توفير خيام أفضل أو إعادة تأهيل الصفوف.
من جانبها، تؤكد المديرة صبا عودة أن مدرسة النصر، التي تعرضت لقصف عام 2024، اضطرت إلى نصب الخيام في الساحة لاستيعاب الطلاب، مشيرة إلى أن وجود النازحين يؤثر سلباً على العملية التعليمية. وتوضح عودة أن الخيام التعليمية، رغم أنها تسد جزءاً من الحاجة، لا توفر الظروف الإنسانية الملائمة للتعلم، مشبهة إياها بالدفيئة الزراعية. وعلى الرغم من الصعوبات، فإن إقبال الأهالي على تسجيل أبنائهم يحفز الطاقم التعليمي على مواصلة جهودهم، فتعليم أبناء غزة يمثل أولوية قصوى.
في سياق متصل، تشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن شركاء قطاع التعليم في غزة تمكنوا خلال النصف الأول من عام 2026 من مساعدة 435 ألف طفل على الوصول إلى تعليم منظم عبر 610 مساحات تعليم مؤقتة. ومع ذلك، تبقى هذه الجهود أقل بكثير من حجم الاحتياج، نظراً للفجوة التمويلية الحادة التي لا يتجاوز تمويلها 10% من النداء الخاص بقطاع التعليم لعام 2026. وتترقب والدة الطفلة سجى أبو القرع بشغف عودة ابنتها إلى مقاعد الدراسة، مؤكدة أن الأهالي مضطرون للتعامل مع الواقع القاسي في غياب البدائل، داعية الجهات الدولية لدعم المنظومة التعليمية.
منذ أكتوبر 2023، تعرضت غزة لدمار واسع النطاق، أودى بحياة أكثر من 20 ألف طالب و532 معلماً، ودمر عشرات المدارس بالكامل. وتقلص الدوام الدراسي من 200 يوم قبل الحرب إلى 60 يوماً فقط خلال العام الدراسي 2025-2026، مما يؤثر على مستقبل نحو 541 ألف طالب وطالبة من المقرر أن يلتحقوا بالعام الدراسي الجديد، وسط نقص حاد في المدارس والفصول والتجهيزات التعليمية.

