يحتفل المغرب اليوم بالذكرى السنوية لاستعادة سيدي إفني، وهي مناسبة تجسد فصلاً بارزًا في مسيرة الكفاح الوطني لتحقيق الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية. ففي الثلاثين من يونيو عام 1969، غادرت القوات الأجنبية هذه المدينة الأبية، التي لطالما كانت رمزًا للصمود والمقاومة ضد الوجود الاستعماري، دفاعًا عن سيادة الوطن وحوزته.
وبهذه المناسبة، جددت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير التأكيد على الدور المحوري الذي لعبته الانتفاضات الشعبية في الأطلس والريف وعموم البلاد، والتي اندلعت إثر فرض الحماية على المغرب في 30 مارس 1912. وقد أظهرت قبائل آيت باعمران، شأنها شأن باقي مناطق المغرب، شجاعة منقطعة النظير في مواجهة محاولات التوغل الأجنبي، وخاضت معارك بطولية للحفاظ على وحدة الوطن ومقدساته.
كما برزت سيدي إفني كمعقل للنضال، حيث احتضنت خلايا ومنظمات فدائية أفرزت أبطالًا عُرفوا بشجاعتهم في ميادين القتال ضد القوات الاستعمارية. وكانت المدينة أيضًا مركزًا لتأهيل وتوجيه رجال المقاومة وجيش التحرير، الذين بذلوا الغالي والنفيس فداءً لحرية الوطن وعزته. وقد سجل التاريخ الوطني إسهامات قبائل آيت باعمران الفعالة في انطلاقة جيش التحرير بالأقاليم الجنوبية سنة 1956، بهدف استكمال التحرير من الاحتلال الإسباني، وتجلى ذلك بشكل خاص في انتفاضة 23 نونبر 1957، التي حظيت بتغطية إعلامية عالمية أشادت بصمود المقاومين.
تفاعلت هذه المناطق المجاهدة مع كافة مراحل النضال الوطني تحت قيادة العرش العلوي المجيد، وصولاً إلى خطاب المغفور له محمد الخامس في محاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، حيث أكد جلالته على مواصلة العمل لاسترجاع الصحراء وكل الأراضي المغربية. واستحضرت المندوبية السامية البطولات التي خاضها المجاهدون في معارك عديدة، مثل “تبلكوكت” و”سيدي إفني”، والتي أجبر فيها مجاهدو آيت باعمران القوات الإسبانية على التحصن داخل سيدي إفني، وأقاموا مواقع أمامية ضيقة عليها الخناق.
لم تتمكن القوات الإسبانية من فك الحصار إلا بعد تدخل القوات الفرنسية، في عملية “إيكوفيون” التي مهدت لمفاوضات سياسية. هذه المفاوضات أثمرت استرجاع طرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني في 30 يونيو 1969. وقد تلت هذه الاستعادة زيارة تاريخية لجلالة المغفور له الحسن الثاني إلى المدينة في 18 يونيو 1972، حيث أعرب عن فخره واعتزازه بكونه ثاني فاتحٍ للمنطقة.
لم تكن عملية استرجاع سيدي إفني سوى نقطة انطلاق لتعزيز جهود المغرب في استعادة باقي أراضيه المغتصبة، culminating في المسيرة الخضراء عام 1975، التي أبهرت العالم بكونها ملحمة سلمية حضارية. وتوج هذا المسار بجلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية في 28 فبراير 1976، إيذانًا برفع الراية المغربية في سماء العيون وإشراقة شمس الوحدة الترابية من طنجة إلى الكويرة. تؤكد المندوبية السامية، احتفالًا بهذه الذكرى، على استلهام قيم الصمود والتعبئة الوطنية من هذه الملاحم، وتجدد عهدها بالحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة، وتنظم بهذه المناسبة مهرجانات ولقاءات تواصلية وتكريمات لقدماء المقاومين في سيدي إفني وتزنيت.

