في خضم الحرب المستمرة على قطاع غزة، يواصل فريق من الشباب المتطوعين، ضمن مبادرة “حراس التراث”، جهودهم الدؤوبة للحفاظ على ما تبقى من الإرث الحضاري الفلسطيني، الذي تعرضت متاحفه ومواقعه الأثرية لأضرار بالغة. يعمل هؤلاء المتطوعون، انطلاقاً من خيمة بسيطة في منطقة المواصي بخان يونس، على انتشال القطع الأثرية من تحت الأنقاض وترميمها وتوثيقها، في محاولة للحفاظ على الذاكرة التاريخية لغزة من الزوال.
أوضحت شيماء الناطور، مساعد منسق برنامج حماية التراث بجمعية “مياسم”، أن الفريق، الذي تأسس عام 2024 ويضم 20 شاباً وفتاة، يهدف إلى صون التراث الثقافي الفلسطيني. بدأ الفريق عمله بحصر المجموعات المتحفية المتضررة جراء القصف، وتمكنوا من استخراج العديد من القطع وأرشفتها داخل صناديق خاصة. لا يقتصر عملهم على الحفظ المادي، بل يتعداه إلى توثيق القصص المرتبطة بهذه القطع من خلال برنامج للتاريخ الشفوي، لضمان نقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة.
على الرغم من الجهود المبذولة، فقد تسببت الحرب في تدمير غالبية المتاحف والمواقع الأثرية في القطاع، بما في ذلك متحف القرارة، مما أدى إلى فقدان نحو 3500 قطعة متحفية. كما أشارت الناطور إلى وجود حوالي 300 قطعة أخرى ما زالت تحت الأنقاض، لكن صعوبة الوصول إليها بسبب خطورة المناطق يحول دون استخراجها. ويواجه الفريق تحدياً إضافياً يتمثل في عدم وعي بعض المواطنين بالقيمة التاريخية للقطع التي يعثرون عليها، مما يعرضها لخطر الضياع.
يعمل المتطوعون في ظروف صعبة داخل خيمة لا تتوفر فيها شروط الحفظ المثالية، إلا أنها تمثل ملاذاً مؤقتاً لمئات القطع الأثرية والتراثية التي نجت من القصف. ورغم هذه التحديات، يواصل “حراس التراث” عملهم الحاسم للحفاظ على هوية غزة الثقافية، أملاً في يوم يتم فيه إعادة بناء المتاحف وتوفير بيئة آمنة لحفظ هذا الإرث الثمين.
يتمتع قطاع غزة بتاريخ غني ومتنوع، فقد تعاقبت عليه حضارات عديدة كالفراعنة والإغريق والرومان والبيزنطيين والكنعانيين والفينيقيين، وصولاً إلى العصور الإسلامية المملوكية والعثمانية. وقد خلفت هذه الحضارات إرثاً عمرانياً وثقافياً فريداً يعكس عراقة القطاع والجذور التاريخية للشعب الفلسطيني. لكن الصراع المستمر ألحق دماراً واسعاً، حيث أظهرت الإحصائيات تدمير نحو 208 مواقع أثرية وتراثية من أصل 325 موقعاً في القطاع حتى نهاية عام 2025.

