في خطوة استراتيجية نحو تعزيز السيادة الطاقية الإفريقية وتحقيق الانتقال الطاقي، يكتسب المغرب رهان الغاز الطبيعي من خلال مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي. وتُشكل اتفاقية فريتاون محطة محورية في مسار هذا المشروع الطموح، الذي يُسهم في دفع عجلة التنمية النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مما يُعزز مكانة المغرب كفاعل رئيسي في مجال الطاقة المستدامة.
وقد حظي مشروع خط أنابيب الغاز المغرب-نيجيريا، الذي يمتد لمسافة 6800 كيلومتر باستثمارات تُقدر بـ 25 مليار دولار وبطاقة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا، بموافقة دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو). هذا المشروع الحيوي، الذي يمر عبر 13 دولة تعاني بعضها من ضعف في معدلات توفر الكهرباء، ينتظر الآن قرار الاستثمار النهائي بعد استكمال الدراسات، مما يؤكد أبعاده الاقتصادية والتنموية الكبيرة للقارة.
ويرى الخبير في الانتقال الطاقي، سعيد كمرة، أن هذا المشروع لا يمثل مجرد تأمين لمصدر جديد للغاز للمغرب، بل يفتح آفاقًا استراتيجية متعددة لمرحلة ما بعد الاعتماد على الفحم، ويسهم في بناء منظومة كهربائية أكثر استدامة. ويُتوقع أن يرتفع الطلب على الكهرباء في المغرب بحلول عام 2040 إلى ما بين 85 و90 تيراواط/ساعة، مقارنة بنحو 46 تيراواط/ساعة حاليًا. ومع استقرار إنتاج محطات الفحم بفضل العقود طويلة الأمد، ستنخفض حصتها في المزيج الكهربائي تدريجياً من 60% حاليًا إلى حوالي 35% بحلول عام 2040، مما يتطلب تعويض ما يقارب 28 إلى 31 تيراواط/ساعة من الكهرباء المنتجة بالفحم بين عامي 2040 و 2045.
وفي سياق متصل، يشير كمرة إلى إمكانية تخصيص 7 مليارات متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنبوب للمغرب، منها 5 مليارات متر مكعب لإنتاج الكهرباء، ما يسمح بتشغيل محطات كهربائية بقدرة تتراوح بين 4.5 و 5 غيغاواط، فضلاً عن تخصيص ملياري متر مكعب للقطاع الصناعي، وتحويل 8 مليارات متر مكعب المتبقية إلى أوروبا. وستمكن هذه القدرات الجديدة من رفع مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي إلى نحو 50%، أي أكثر من 40 تيراواط/ساعة، مقارنة بـ 11.3 تيراواط/ساعة في سنة 2024. وعلى المدى الطويل، بعد عام 2045، يمكن للمغرب تنويع مصادره لتشمل 50% طاقات متجددة، 35% غاز طبيعي، و15% طاقة نووية.
غير أن التحدي لا يقتصر على تأمين كميات الغاز فحسب، بل يمتد إلى بناء منظومة غازية وطنية متكاملة تضمن التناغم بين خط أنابيب نيجيريا-المغرب ومحطة إعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال العائمة بالناظور. سيوفر خط الأنابيب إمدادات مستقرة ومنتظمة، بينما ستلبي محطة الناظور الاحتياجات الإضافية وتوفر أمن الإمدادات في حال حدوث أي اضطرابات. وتُعد محطة الناظور بمثابة ضمان استراتيجي للمغرب، ويجب استئناف العمل بها على وجه السرعة، حتى بصبغة أقل طموحًا في البداية، لتمكين التوسع التدريجي في محطات الكهرباء العاملة بالغاز قبل بدء تدفق الغاز النيجيري.

