بعد خلاف استمر قرابة أربعة قرون، توصلت فرنسا وهولندا إلى حل نهائي لقضية ترسيم الحدود المشتركة بينهما في جزيرة سان مارتان الكاريبية. وقد تم هذا الإنجاز الدبلوماسي عبر المصادقة على اتفاق يحدد بدقة متناهية خط الحدود البرية والبحرية، مما يطوي صفحة من عدم اليقين القانوني والإداري الذي كان قائمًا منذ توقيع معاهدة كونكورديا عام 1648.
الاتفاق، الذي جرى توقيعه في 26 ماي 2023 بمدينة بيل بلين في سان مارتان، حظي مؤخرًا بموافقة البرلمان الفرنسي. ويهدف هذا الاتفاق إلى وضع تعريف واضح ومحدد للحدود الفاصلة بين الجزء الفرنسي من الجزيرة (سان مارتان) والجزء الهولندي (سينت مارتن). وتعتبر هذه الخطوة تتويجًا لجهود دبلوماسية مكثفة بُذلت لتسوية النزاعات الحدودية، خاصة تلك المتعلقة بخليج أويستر بوند، حيث كانت تفاصيل الحدود البرية والبحرية محل خلاف طويل.
ورغم وجود حدود تاريخية بين شطري الجزيرة منذ معاهدة كونكورديا، إلا أن بعض الخطوط لم تخضع لترسيم جغرافي دقيق، مما أدى إلى تعقيدات في الاختصاصات القضائية والقانونية، خاصة فيما يتعلق بمهام الشرطة، تنظيم العمران، إدارة السواحل، والصلاحيات الإقليمية. ويحدد الاتفاق الجديد الإحداثيات الدقيقة للحدود البرية وامتدادها البحري، استنادًا إلى مجموعة من الملاحق التقنية التي تشمل خرائط وبيانات جغرافية تفصيلية.
يهدف هذا الترسيم إلى تأمين اختصاصات كل إدارة وتسهيل التعاون بين الجانبين في هذه الجزيرة التي يقطنها حوالي 75 ألف نسمة، والتي تتميز بحرية التنقل بين جزئيها كواحدة من أبرز سماتها التاريخية. وقد أكدت السلطات الفرنسية أن هذا الاتفاق لا يغير التوازن الإقليمي للجزيرة، بل يوفر إطارًا قانونيًا واضحًا يضمن الأمن للسكان، المستثمرين، والمرافق العامة، كما يتوقع أن يساهم في تجنب أي نزاعات مستقبلية قد تنشأ عن التوسع العمراني أو البنية التحتية القريبة من الحدود.
وتعد الحدود بين سان مارتان وسينت مارتن هي الحدود البرية الوحيدة بين فرنسا وهولندا، وتصنف ضمن أقدم الحدود المستقرة التي لا تزال قائمة في منطقة البحر الكاريبي، مما يضفي على هذا الاتفاق أهمية تاريخية ودبلوماسية كبرى.

