احتضنت مدينة فاس اليوم حفل افتتاح الدورة التاسعة والعشرين لمهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية، الذي لم يقتصر على العروض الموسيقية فحسب، بل خصص جزءًا كبيرًا منه للاحتفاء بالصناعة التقليدية المغربية والعالمية. لقد تحول مسرح باب الماكينة إلى فضاء يعكس روح الإبداع الحرفي وذاكرة الحضارة الإنسانية، مقدمًا تحية إجلال للمعلم التقليدي الذي صاغ عبر العصور جماليات المدينة وأثرى نسيجها الثقافي والروحي.
تُقام فعاليات هذه الدورة تحت شعار “فاس والمعلمون، حماة الصنعة والتراث”، وقد استهل المهرجان برنامجه بعرض فني مبهر بعنوان “انبثاق الروح من المادة.. من السماء إلى الأرض”. هذا العمل المتكامل جمع بين الموسيقى والصورة والرقص، مؤكدًا على الدور المحوري للحرفيين والصناع التقليديين كحراس للذاكرة الجمالية والروحية للمغرب والعالم، ومبدعي هوية ثقافية عابرة للقرون. وقد استعرض العرض الفني، من خلال لوحات حية، رحلة الحرف الإنسانية من دباغي فاس وصناع النحاس والزليج والخشب، وصولاً إلى نساجين وحدادين من آسيا وإفريقيا والبلقان، مبرزاً قدرة الإنسان على تحويل المواد الخام إلى أعمال فنية نابضة بالحياة.
وفي سياق هذا الاحتفاء، أكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، على الأهمية الثقافية والتاريخية لمدينة فاس، مشددًا على أن هذه الدورة تعزز مفهوم الصناعة الثقافية المغربية، التي تُعد الصناعة التقليدية جزءًا جوهريًا منها. وأشار بنسعيد إلى أن المهرجان لا يقتصر على تكريم الصناع فحسب، بل يمثل أيضًا منصة للتعريف بالثقافات والموسيقى العالمية، معتبرًا الصناعة التقليدية والمهرجان ذاته سفيران للمغرب وعناصر أساسية في الاقتصاد الوطني.
ولم يكن حضور الصناع التقليديين في حفل الافتتاح رمزيًا، بل كان جوهريًا ومحوريًا، حيث يشارك أكثر من 160 صانعًا من أربع قارات. هذا التجمع يُعد تكريمًا للمساهمات الخفية لهؤلاء المبدعين في تشكيل الذاكرة الحضرية وصناعة الجمال. ولضمان استمرارية هذه الحرف العريقة، أطلق المهرجان جائزة “أنفاس اليد”، بهدف دعم المواهب الشابة وتشجيعها على تطوير مهاراتها وإبداعاتها في مختلف مجالات الصناعة التقليدية.
من جانبه، عبر عبد القادر الوزاني، آخر معلمي نسج البروكار اليدوي بالمغرب، عن أهمية المبادرة في تقدير قيمة الصنعة المغربية والصانع المغربي، مؤكداً حاجة فن البروكار لدماء جديدة لضمان استمراريته. كما أشار الصانع التقليدي عبد الحق بالمليح إلى أن هذا التكريم يبرز تاريخ وقوة الحضارة المغربية عبر الحرف التقليدية، مشجعاً الشباب على تعلم هذه المهن للحفاظ على جودتها وتراثها أمام العالم.

