منذ إطلاقها في دجنبر 2024، تواصل الشركات الصينية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل المشهد العالمي لهذا القطاع، وذلك من خلال طرح نماذج مفتوحة المصدر متاحة للتنزيل والتعديل مجاناً. هذه النماذج الصينية، التي تُبرز تنافساً شرساً مع الشركات الغربية الكبرى، تُقدم مقاربة اقتصادية جديدة للذكاء الاصطناعي، مختلفة عن النماذج الغربية المغلقة والمدفوعة.
أحدث هذه النماذج هو “كيمي كاي 3” الذي أثار ضجة كبيرة في الأوساط التكنولوجية، خصوصاً بحجمه الهائل الذي يعادل ضعف حجم نموذج “ديب سيك في 4 برو” الذي صدر في أبريل الماضي. وتُفاخر شركة “مونشوت إيه آي” بأن هذا النموذج يمثل قمة النماذج المفتوحة المصدر من حيث الحجم. لكن ما أثار الإعجاب أكثر هو أداء “كيمي كاي 3” المذهل، الذي يقاربه خبراء الذكاء الاصطناعي بنماذج رائدة مثل “فابل 5″ من أنثروبيك و”جي بي تي 5.6 سول” من أوبن إيه آي في العديد من الجوانب، بل وتفوق عليها في بعض التصنيفات، خاصة في مجال برمجة التطبيقات والمواقع الإلكترونية.
يشير أليكس فين، رئيس منصة “هنري إنتليجنت ماشينز بي بي سي”، إلى أن هذا التطور الجديد سيُحدِث تحولاً جذرياً ودائماً في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي. إلا أن هذا النجاح الصيني لم يمر دون إثارة مخاوف جيوسياسية، حيث أعرب ديفيد ساكس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون الذكاء الاصطناعي، عن قلقه، معتبراً هذا الإنجاز انتصاراً للصين في صراعها التكنولوجي مع الولايات المتحدة.
وينتقد ساكس السياسات الأمريكية التي يرى أنها تُعرقل تقدم بلاده في هذا المجال، مشيراً إلى “تعقيد الولايات المتحدة للأمور” من خلال القيود على مراكز البيانات والقوانين البيروقراطية التي تُعيق الابتكار. من جهته، يرى دين بول، المستشار السابق للبيت الأبيض، أن نجاح النموذج الصيني يعود إلى تصنيف الذكاء الاصطناعي كـ”منفعة عامة” بدلاً من منتج تجاري، ما قد يؤثر على الاستثمار الخاص والتقدم.
وعلى الرغم من المخاوف، يرى حسين عباس، أستاذ علوم الحاسوب بجامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية، أنه لا ينبغي للأمريكيين البقاء مكتوفي الأيدي، بل يجب عليهم مواكبة هذا التطور. وقد ازداد الاهتمام بالنماذج الصينية المفتوحة المصدر في الغرب مؤخراً، نظراً لتكلفتها المنخفضة مقارنة بالنماذج الأمريكية المتقدمة، وذلك في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الذكاء الاصطناعي وحاجة وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى قدرات حوسبة هائلة.
ومع ذلك، قلّل بعض الخبراء، مثل غافين بيكر من “أتريدس مانجمنت”، من تأثير “كيمي كاي 3” بسبب تكلفته العالية واستهلاكه الكبير للطاقة الحسابية. ويرى الرئيس التنفيذي لـ”أرينا إيه آي”، أناستاسيوس أنجيلوبولوس، أن هذه القفزة في قدرات الذكاء الاصطناعي ستُفاقم التوترات الجيوسياسية، ما قد يؤدي إلى قيود على تصدير النماذج الصينية أو تقييد الولايات المتحدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي الصيني داخل حدودها، مما يزيد من حدة المنافسة والمخاطر العالمية.

