تتوالى تداعيات التشريعات الفرنسية الجديدة المتعلقة بالتسويق الهاتفي لتلقي بظلالها على قطاع مراكز النداء بالمغرب، حيث تم تسجيل إغلاق مركز اتصال بالدار البيضاء وتسريح ما يقرب من 50 موظفًا. يأتي هذا التطور ليثير تساؤلات جدية حول مستقبل آلاف الوظائف التي تعتمد على تقديم الخدمات للسوق الفرنسية.
دخل القانون الفرنسي الجديد حيز التنفيذ مؤخرًا، وهو يفرض قيودًا صارمة على الاتصالات التجارية غير المرغوبة، ويشترط موافقة المستهلك المسبقة قبل إجراء أي مكالمة تسويقية. هذا التغيير القانوني، بالتزامن مع عودة الأنشطة الاقتصادية بعد الإجازات الصيفية، يضع مراكز النداء المغربية أمام تحدي كبير للتكيف مع هذه القواعد التنظيمية المستجدة.
رغم أن حجم التأثير الكامل لهذه التغييرات لم يتضح بعد، إلا أن النقابات المهنية دعت الحكومة إلى التدخل السريع. فقد أكدت الجامعة الوطنية لمراكز النداء ومهن الأوفشورينغ أن القطاع يمر بمرحلة حساسة، تتطلب حوارًا ثلاثيًا يجمع الحكومة، ممثلي الموظفين، وأرباب العمل، بهدف حماية الوظائف وتأهيل العاملين لمواجهة التحولات القادمة. كما أشارت الجامعة إلى أن تقديرات أولية تتحدث عن تأثر حوالي 10 آلاف وظيفة بشكل مباشر أو غير مباشر.
علاوة على التحديات التنظيمية، يواجه القطاع تحولاً تكنولوجيًا عميقًا بسبب التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة. هذه التقنيات باتت قادرة على أداء العديد من المهام التي كانت تتطلب تدخلاً بشريًا، مما يزيد من الضغوط على الوظائف التقليدية في مراكز الاتصال. لذلك، طالبت الجامعة بإنشاء مرصد وطني لسوق الشغل في هذا القطاع، بالإضافة إلى إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل الموظفين وتوجيههم نحو المهن الرقمية ذات القيمة المضافة العالية.
في المقابل، ترى الفيدرالية المغربية للأوفشورينغ أن الأنشطة المتأثرة بالقانون الفرنسي لا تمثل سوى جزء محدود من إجمالي خدمات مراكز الاتصال، مستبعدة حدوث انهيار شامل في القطاع. ومع ذلك، فإن ظهور حالات إغلاق فعلية يستدعي التعامل بحذر مع هذه التطورات، خصوصًا مع استقرار تطبيق القواعد الفرنسية الجديدة.
في الختام، يتجاوز التحدي الحالي مجرد التعامل مع قانون فرنسي واحد، ليشمل مستقبل نموذج اقتصادي مغربي يعتمد بشكل كبير على تصدير الخدمات. يتطلب الحفاظ على مكانة المغرب في سوق الأوفشورينغ الانتقال نحو خدمات أكثر تخصصًا، والاستثمار في المهارات الرقمية، وتطوير قدرات العاملين للتكيف مع الأدوات التكنولوجية الحديثة.

