شرعت المملكة المغربية في ورش هام لإعادة صياغة قواعد التعمير، من خلال إعداد خمسة مواثيق إطارية رقمية تهدف إلى المزاوجة بين الحفاظ على الهوية المعمارية الأصيلة ومتطلبات التطور العمراني. وخصصت الدولة ميزانية تقديرية لهذا المشروع تبلغ 5.4 ملايين درهم، ويتم تنفيذه ضمن صفقة دولية مفتوحة، تماشياً مع القوانين المنظمة للصفقات العمومية في المملكة.
يشرف هذا الورش على بلورته مديرية الهندسة المعمارية، ويهدف إلى تطوير رؤية مرجعية متطورة تجمع بين جمالية الموروث البصري المغربي ومتطلبات العصر الحديث، مع مراعاة دقيقة للمناظر الطبيعية والاعتبارات البيئية. كما يتميز المشروع بطابعه اللامادي والرقمي، إذ ستتحول هذه المواثيق إلى أدوات توجيهية تفاعلية متاحة عبر الأنظمة الجغرافية والمعلوماتية، ما يسهل على الفاعلين والمهندسين وصناع القرار الاستفادة منها بكفاءة عالية.
ونظراً للتعقيد التقني والعلمي للمشروع، ينص دفتر الشروط على ضرورة تشكيل فريق عمل متعدد التخصصات بقيادة مهندس معماري متخصص في التخطيط العمراني. ويضم الفريق خبراء في التراث المعماري، والتخطيط الترابي، والنظم المعلوماتية الجغرافية، بالإضافة إلى متخصصين في البيئة وعلم الاجتماع ومصممي الغرافيك لضمان جودة المخرجات. ويمر المشروع بثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بتشخيص شامل للوضع الراهن، تليها صياغة مسودات المواثيق الخمسة، ثم إطلاق مشاورات موسعة لإصدار النسخ الرقمية النهائية. وتضمنت الشروط بنوداً صارمة تتعلق بالشفافية ومكافحة الفساد، مع فرض غرامات مالية على أي تأخير غير مبرر في تسليم نتائج كل مرحلة.
وتتضمن “المواثيق الخمسة الإطارية للتعمير والهندسة المعمارية والمناظر الطبيعية بصيغة رقمية مدمجة” تفاصيل دقيقة تحدد خصائص كل ميثاق ومرتكزاته الترابية والفنية. ولا يقتصر المشروع على إعداد أدلة تقنية تقليدية، بل يهدف إلى تقسيم التراب الوطني إلى خمس مجموعات مجالية كبرى، تتميز كل منها بخصوصيات هوية وتحديات عمرانية وبيئية مستقلة.
وتغطي هذه المواثيق مجالات متنوعة تشمل الشريط الساحلي، حيث تهدف إلى تنظيم الضغط العمراني والسياحي وحماية البيئة الساحلية، والمجالات التراثية، بالتركيز على المدن العتيقة والقصور والقصبات من أجل الحفاظ على هويتها المعمارية مع تحديثها. كما تشمل الوسط القروي، للحد من الزحف العمراني العشوائي وتشجيع البناء المستدام، بالإضافة إلى المناطق الجبلية، التي تراعى فيها الخصائص الطبوغرافية والمناخية الصعبة، وأخيراً المناطق الصحراوية والواحاتية، للحفاظ على المعمار التقليدي والتكيف مع الظروف المناخية القاسية، وحماية الأراضي الواحاتية الثمينة من الزحف العمراني العشوائي.

