عاد مجمع المحمدية التابع لشركة سامير إلى واجهة النقاش العمومي اليوم، ليس بسبب استئناف عمليات تكرير النفط، بل من خلال خطوة تبدو فنية لكنها تحمل أبعاداً استراتيجية عميقة تتعلق بقطاع الطاقة بالمملكة. سمح القضاء لشركة “ستروك إنديستري”، التي تخضع بدورها لإجراءات التسوية القضائية، بالمشاركة في مناقصة أطلقتها سامير بهدف تحديث أحد خزانات الوقود الرئيسية داخل المصفاة.
يتعلق الأمر بالخزان TK3005، الذي يتميز بسعة تخزينية تبلغ حوالي 30 مليون لتر من الغازوال والبنزين. تشمل أشغال التأهيل صيانة مكونات الخزان وتطوير أنظمة مكافحة الحرائق، ومن المقرر أن تنتهي الأعمال في غضون 150 يوماً، دون الكشف عن التكلفة الإجمالية للصفقة. على الرغم من أن هذا المشروع يبدو تقنياً، إلا أن توقيته وموقعه يثيران تساؤلات حول الدور المستقبلي لمصفاة المحمدية، خاصة وأن نشاط التكرير توقف منذ عام 2015، وتخضع سامير للتصفية القضائية منذ مارس 2016.
لا يعني هذا التأهيل أن المصفاة على وشك استئناف عملياتها الصناعية، فالمشروع يخص منشأة تخزينية واحدة ضمن مجمع يمتلك قدرات أكبر بكثير. تبلغ السعة التخزينية الإجمالية لموقع سامير حوالي ملياري لتر، مما يجعل سعة الخزان المستهدف، البالغة 30 ألف متر مكعب، تمثل جزءًا صغيراً من إجمالي القدرات. ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للعملية تكمن في إعادة إدخال أصل صناعي للخدمة، والحفاظ على البنية التحتية القائمة، وتحديث أنظمة السلامة، مما يمنع تدهور الأصول التي قد تكون لها أهمية اقتصادية مستقبلية.
تكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في سياق المنظومة الطاقية المغربية، حيث لا تزال المملكة تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الطاقة، مع وصول استهلاك المنتجات البترولية إلى حوالي 12.867 مليون طن خلال عام 2025، ومعدل تبعية طاقية بلغ 87.5%. هذا الاعتماد يربط السوق المغربي بتقلبات الأسواق العالمية وسلاسل النقل البحري. تهدف المملكة إلى تعزيز قدراتها الوطنية في تخزين المحروقات، حيث بلغت هذه القدرة حوالي 3.2 ملايين متر مكعب في 2025، وتخطط لإضافة أكثر من 1.5 مليون متر مكعب بحلول عام 2030، باستثمارات تقدر بـ 6 مليارات درهم.
هذه المعطيات تضع البنية التحتية لموقع سامير في المحمدية في صلب معادلة اقتصادية لافتة. ففي الوقت الذي يحتاج فيه المغرب إلى استثمارات ضخمة لإنشاء قدرات تخزينية إضافية، يمتلك مجمع سامير بنية تحتية قائمة تضم عدداً كبيراً من الخزانات والمنشآت. ورغم أن جزءاً من هذه المنشآت يحتاج إلى صيانة وتحديث، إلا أن وجود البنية الأساسية يمنح الموقع ميزة استراتيجية لا يمكن تجاهلها في أي خطة مستقبلية للتخزين. جزء من هذه القدرات التخزينية لا يزال مستخدماً أو مؤجراً لفاعلين في قطاع المحروقات، مما يؤكد استمرار أهمية الموقع في السوق.
يبرز سيناريو محتمل يتمثل في تحويل الموقع نحو التخزين وتوزيع المحروقات المستوردة، وهو ما يتماشى مع جهود المملكة لرفع مستوى المخزونات الاحتياطية. تبقى مسألة استئناف التكرير رهينة بعوامل اقتصادية واستثمارية وتقنية وقانونية تتجاوز مجرد صيانة الخزانات. تظهر قضية سامير أن النقاش تجاوز مصير الشركة ليشمل مستقبل الأمن الطاقي للمملكة، فزيادة قدرات التخزين توفر هامش أمان، لكن السيادة الطاقية تتطلب منظومة متكاملة تشمل المخزونات الاستراتيجية، والبنية التحتية اللوجستية، وتنويع المصادر، والقدرات الصناعية الوطنية.

